سياسة بايدن الخارجية: الـ«سوبر ستار» وحفيد الهولوكوست
2021-01-09 | منذ 3 شهر
 صبحي حديدي
صبحي حديدي

نحن في عام 1998، على أعتاب عيد الأنوار اليهودي (حانوكا)، في مذكرة أرسلها جاكوب ماور، مستشار رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى توني بلينكن، مستشار الرئيس الأمريكي بيل كلنتون وكاتب خطبه في ميدان السياسة الخارجية؛ حول أفضل النكات التي يمكن للأخير أن يقتبسها خلال زيارة إلى دولة الاحتلال. الحكاية أظهرتها إلى العلن مؤخراً مؤسسة الأرشيف الوطني الأمريكية، ليس بعيداً أغلب الظنّ عن واقعة راهنة هي أنّ الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن اختار بلينكن وزيراً للخارجية، وعن تفصيل يفيد بأنّ بلينكن يهودي الديانة. بين النكات واحدة عن كشك فلافل، وأخرى عن مطعم يهودي في أمريكا عمر زيت القلي فيه ثمانية أعوام وليس ثمانية أيام، وسوى ذلك. الرئيس الأمريكي شاء في نهاية المطاف أن يقول التالي: “عيد الأضواء تذكرة لنا جميعاً بالبركات الكثيرة التي تنير حياتنا: محبة الله، هبة الحرية، قوّة العائلة والجماعة، والأمل في سلام دائم”.
في إدارة باراك أوباما عمل بلينكن مساعداً لمستشار الأمن القومي، ومساعداً لوزير الخارجية، وكان في المنصبين بمثابة “سوبر ستار” حسب تعبير بايدن نفسه؛ وقد يتذكر بعض زاعمي تمثيل المعارضة السورية، من المؤمنين بدور أمريكا في “تغيير” نظام بشار الأسد تحديداً، أنّ بلينكن كان من مؤيدي خيارات عسكرية أمريكية أشدّ في سوريا، ولكنه سرعان ما استدار على عقبيه حين مسح رئيسه كامل آثار “الخطّ الأحمر” الشهير بصدد لجوء النظام إلى استخدام الأسلحة الكيميائية. ولعلنا لن نُفاجأ بحماس نماذج محدثة من المعارضين السوريين إياهم، إزاء وجود بلينكن في موقع وزارة الخارجية؛ رغم أنّ المتغيرات التي طرأت على تفكير الرجل لم تنجم عن تحولات سيّده الأول (كلنتون) ولا الثاني (أوباما) ولا الثالث (بايدن)، بل سلسلة الخلاصات الشخصية التي تراكمت لديه سنة بعد أخرى ومنصباً بعد آخر.
كذلك لا تصحّ الاستهانة بحقيقة أنّ عدداً غير قليل من رجال أوباما يعودون اليوم مع بايدن إلى احتلال مواقع حساسة، داخلية وخارجية أو في حال من التقاطع بين المضمارين: جيك سوليفان في منصب مستشار الأمن القومي (أحد مهندسي الشطر الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران)؛ سوزان رايس، مديرة “مجلس البيت الأبيض للسياسة الداخلية” (وكانت ركيزة كبرى في إدارة أوباما، على صعيد الأمم المتحدة ومجلس الأمن القومي)؛ وجون كيري، المبعوث الخاص حول التغيّر المناخي (وكان وزير الخارجية أواخر ولاية أوباما الثانية). هذه حيثيات يتوجب أن تقلق نتنياهو في مقام أوّل، وثمة تقارير صحفية إسرائيلية تشير إلى أنه غير سعيد بها؛ ولكن هل يتوجب أن تُفرح الحالمين بموقف أمريكي أكثر صلابة ضدّ النظام السوري؟ أو ضدّ إيران، خارج إطار احتمال عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي؟ أو اتخاذ تعبيرات زجرية أوضح ضدّ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بصدد الحرب على اليمن أو اغتيال جمال خاشقجي أو ملفات حقوق الإنسان؟
الجلي، حتى إشعار آخر، أنّ ركائز السياسة الخارجية في تباشير عهد بايدن سوف تميل إلى الارتداد، ما أمكن، عن حماقات دونالد ترامب؛ بصدد ترميم العلاقة مع أوروبا، والحلف الأطلسي، واتفاقية المناخ، والمنظمات الأممية… ورغم احتمال اللجوء إلى خيارات أكثر توازناً في الملف الفلسطيني، وحكاية “صفقة القرن”، والمقاربات البضائعية للتطبيع مع دولة الاحتلال؛ فإنّ من غير المرجح أن يعيد بايدن السفارة الأمريكية إلى تل أبيب، ولعله سوف “يطنّش” على اعتراف البيت الأبيض بشرعية احتلال الجولان، وسياسات الاستيطان عموماً.
الجلي المعروف، أيضاً، أنّ السياسات الأمريكية بصدد دولة الاحتلال لا تتغيّر من حيث الجوهر مع تغيّر الإدارات؛ كما لا يبدّل من الحال أن يكون بلينكن حفيد ناجٍ من الهولوكوست، فهذا أقرب إلى نور على نور!

*كاتب وناقد سوري مقيم في فرنسا
*المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع

 



مقالات أخرى للكاتب

  • حروب اللقاحات: تعاون عالمي أم رَجْع أصداء الماضي؟
  • فرنسا واستعمار الجزائر: لماذا الاعتذار عن جريمة حرب؟
  • العراق بين بايدن وقاآني: مطابقات موطئ القدم

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي