أوروبا و"المسار الثالث"... ضعيفة أم مستضعفة؟
2020-08-08 | منذ 2 شهر
رفيق خوري
رفيق خوري

أوروبا في ورطة مع نفسها. صنعت التاريخ، وخرجت منه. خلّفت وراءها مشكلات هائلة في آسيا وأفريقيا، ثم صارت تتكيف مع المشكلات تاركة حلها على أميركا. بعد تفجيرات سبتمبر (أيلول) 2001، أصر وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد على تسمية أوروبا "القارة العجوز". ولم يتردد روبرت كاغان في كتاب "الجنة والقوة" في القول "الأميركيون من المريخ"، رمز القوة لإعادة تنظيم العالم، و"الأوروبيون من الزهرة" رمز العقل والتسويات. اليوم، يصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحلف الأطلسي بأنه "في موت سريري". ويقول الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه "متقادم" قبل أن يغير رأيه، لكنه يستمر في مطالبة الأوروبيين بزيادة حصتهم في موازنة الحلف. وليس أمراً عادياً أن تبدو ألمانيا قلقة لأن ترمب قرر سحب 12 ألف جندي أميركي من أصل 36 الفاً في ألمانيا، وقال إن "ألمانيا لم تدفع حصتها في الحلف، وإن بلادي تعرضت للاستغلال عسكرياً وتجارياً". وهذا تكرار للقول الشائع إن أوروبا تقوم بـ"رحلة مجانية" على ظهر أميركا.

والسؤال هو: هل ضعفت أوروبا إلى حد أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يبتزها باللاجئين السوريين فتدفع، ويستفزها في شرق المتوسط فتأخذ وقتها لتقنعه بوقف استكشافه للنفط والغاز في مياه اليونان وقبرص، ويهدد أمنها في ليبيا فلا تفعل شيئاً حتى بعدما اشتكت فرنسا للناتو من تعرض البحرية التركية لقطعة بحرية فرنسية؟ لماذا تبدو ألمانيا باقتصادها القوي غير مستعدة لبناء جيش قوي، وهي "الحصان وفرنسا المحرك في المشروع الأوروبي"، كما قال الجنرال ديغول؟ هل السبب هو فقط أن أميركا تحملت العبء الدفاعي بعد الحرب العالمية الثانية أم أنه أيضاً الرهان على الرفاه والخوف من العسكريتاريا؟ كيف تكون روسيا التي سكانها 147 مليوناً ودخلها القومي 1.7 تريليون دولار أقوى من اتحاد أوروبي سكانه 400 مليون ودخله القومي 30 تريليون دولار؟

في مؤتمر الأمن الأخير في ميونيخ تحدث الخبراء والمسؤولون عن خطورة الاعتماد على أميركا متغيرة، وضرورة العمل على دفاع أوروبي قوي وهناك من أعاد التذكير بقول المؤرخ البولوني أوسكار هيلاتسكي "أوروبا هي جغرافياً لا شيء سوى شبه جزيرة في آسيا". ففي القرن العشرين كانت لندن "أثينا" العقل، وواشنطن "أسبرطة" القوة. وفي القرن الحادي والعشرين تحاول أميركا الهرب من دور "أسبرطة" وأوروبا من لعب دور "أثينا". ومن هنا يقول وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إن على أوروبا اختراع "مسار ثالث" في اللعبة بين أميركا والصين وروسيا، للدفاع عن "مبادئها ومصالحها" لا يكون "حرباً باردة" ولا "مرونة ساذجة". والأميركي روجر كوهين يقول في "نيويورك تايمز" إنه "إذا لم يقف الاتحاد الأوروبي من أجل الديمقراطية الليبرالية، فإن هذه القيم ستصبح يتيمة في عالم ترمب وبوتين وشي جينبينغ".

روسيا لم تتراجع، على الرغم من العقوبات الأميركية والأوروبية، عن ضم القرم وشق جورجيا وأوكرانيا ودعم اليمين المتشدد في أوروبا. لا بل إنها دفعت أموالاً لطالبان من أجل قتل جنود أميركيين، وعملت لكي "يفقد الأوروبيون الثقة بمؤسساتهم الديمقراطية"، بحسب تقرير فريق التحليل الاستراتيجي التابع للمفوضية الأوروبية. وفي ألمانيا، كما جاء في تقرير للاستخبارات الألمانية، 9 آلاف جاسوس لتركيا و1350 عنصراً للإخوان المسلمين و1050 لـ"حزب الله" اللبناني. والمركز الأساسي هو المركز الإسلامي في هامبورغ والسفارة الإيرانية. وبحسب أحدث التقارير، فإن "الحركة الإمبراطورية الروسية" تدرب في بطرسبرغ نازيين جدداً من حزب "البديل من أجل ألمانيا" و"الحزب الديمقراطي الوطني".

والسؤال تكراراً هو: هل خسرت أوروبا نفسها من دون أن تربح العالم أم أنها على طريق "عودة الروح"؟ الجواب الرمزي جاء من البندقية التي يبلغ دخلها السنوي من السياحة 3.3 مليار دولار. فالحجر بسبب كورونا دفع إلى حركة لاستعادة "مدينة القوة والتجارة ومركز الفن والثقافة" بعد فقدان كل القيم لمصلحة المال. والهدف أن تعود البندقية مدينة لعدد كبير من الجامعات تكون هي "الحرم الجامعي".

وفي الخيال، لا في الواقع، يستطيع بول كلوديل القول "الوردة يحميها عطرها لا شوكها".

 

كاتب لبناني



مقالات أخرى للكاتب

  • ذروة "الضغط الأقصى" وهوة الهدف الوحيد
  • أكثر من سيناريو حول "مفاجأة أكتوبر"
  • سباق سياسي ومالي على أرض كورونا

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق




    شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي