شبكة الأمة برس | سوناك يخالف التوقعات ويتفوق على تراس في آخر مناظرة تلفزيونية


سوناك يخالف التوقعات ويتفوق على تراس في آخر مناظرة تلفزيونية

على حد تعبير كولين روني، فإن ما كشفت عنه المعركة "المزدوجة القطب" في مناظرة "سكاي نيوز" للمرشحين على منصب رئاسة الوزراء، أن الفائز كان... ريشي سوناك، فقد قالت مقدمة البرامج كاي بورلي، التي لجأت بديهياً إلى إدارة النقاش بالحكمة المعهودة في وسائل الإعلام التقليدية، "لم أكن أتوقع ذلك"، ما يدفعني إلى التساؤل: هل بدأ أعضاء حزب المحافظين يدركون، عندما توقع "بنك إنجلترا" دخول البلاد في حال ركود لمدة سنة يتخللها ارتفاع لمعدلات التضخم بنحو 13 في المئة، أنهم ربما يحتاجون إلى شخص له باع طويل وخبرة في الاقتصاد ليتولى دفة القيادة؟

في الواقع، لم تفلح التكنولوجيا خلال هذه المسابقة -ولا سيما في المرحلة التي تشهد فيها بريطانيا سلسلة من التصدعات والضغوط التراكمية- في أداء دور فاعل. فبدلاً من اللجوء إلى آليات التصويت الرقمي المتطورة، طالبت بورلي الجمهور بأن يصوت برفع الأيدي في نهاية المناظرة. وحصلت المفاجأة! بحيث أحدث ريشي سوناك هزة، لكن بورلي سارعت بحكمة، آخذة في الاعتبار ميول الرأي إلى نظريات المؤامرة، لتطلب من غرفة التحكم في الاستوديو تركيز لقطات الكاميرات على أكثر الزوايا المختلفة لعملية التصويت، كما لو أن عملية تصويت "سكاي نيوز" ستشكل أهمية ومسألة متنازعاً عليها توازي تلك اللقطات التاريخية التي صورها أبراهام زابرودر (صانع ثياب أميركي من أصل أوكراني صور اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي في دالاس عام 1963). ومن المفارقات، أنه حتى في حال نجاح تقنيات "سكاي نيوز" الرقمية، فإن أحداً لن يصدقها، ولكان تم الادعاء بأن هناك تدخلاً ما من القيادة الكورية الشمالية في بيونغ يانغ.

الآن، وتماماً كما في الفنون التي يتم تقديمها خلال عروض الكوميديا الارتجالية أو الحيل التي يؤديها السحرة خلال جولاتهم المسرحية (وهذا ليس من قبيل المصادفة على ما أظن)، انكب الثنائي المتنافس على المنصب الحكومي الدولي (تراس وسوناك) على صقل وتلميع وضبط مختلف الإجابات والحجج والمناورات الماهرة التي قدماها حتى أقصى درجات الكمال، لكن إليزابيث تراس الأشبه بـ"ماري المخيفة" (Scary Mary امرأة شبح تظهر في المرآة عندما يتم ترديد اسمها لتقرأ المستقبل) -وعلى الرغم من الجهود البطيئة التي تبذلها لتحسين أدائها- فإنها ما زالت تبدو وكأن لا فكرة لديها عما تنوي القيام به. فهي تحاول التملص والمراوغة على نحو مزعج، كما لو أنها تسير على خطى بوريس جونسون في نهجه الإداري الفوضوي والمتهور.

ولعل المؤشر المقلق الذي يدفع إلى الحذر في كل ملاحظة أبدتها ليز تراس هو تقلب مواقفها في استخدام التعبير نفسه الذي يطبع مختلف تصريحاتها والمتمثل في "ما كنت دائماً واضحة في شأنه هو..."، بالتالي يشكل قمة في الغموض والتشويش المتعمد - سواء في ما يتعلق بما سبق أن أكدته بوضوح من قبل، أو ما تسعى إلى الاعتراف به الآن على نحو شديد الغموض. لذا، ووفقاً لوزيرة الخارجية، فقد كانت دائماً واضحة في أنها لا تريد خفض رواتب الممرضات والمعلمين الجدد، في حين أن هذا هو بالضبط ما أعربت عنه في بيانها الصحافي المشؤوم. وكانت أيضاً واضحة في نفيها ألا ضير من توجه مواطنين بريطانيين للقتال في أوكرانيا، في حين أن ذلك كان بالضبط ما تفوهت به. وهي تريد منا أن نتأكد من موقفها المناهض لظاهرة البناء المخالف في "الحزام الأخضر" في حين أنها أقرت بذلك بوضوح نصاً وكتابة قبل بضعة أعوام.

وللإنصاف، لا بد من أن نقر بأن تراس اعترفت بأنها بدلت وجهة نظرها في شأن بعض القضايا منذ أن كانت لا تزال مراهقة ديمقراطية ليبرالية، بعبارات مثل "أرني شخصاً في سن التاسعة والأربعين ما زالت لديه الآراء نفسها التي كان يعبر عنها في التاسعة عشرة من عمره، وسأظهر لك كم أنت أحمق". وهنا، تبادرت إلى ذهني صورة مارغريت تاتشر، وبالأحرى المراهقة التاتشرية.

ريشي سوناك، على غرار ما كان دائماً عليه، لاقى نسبة أكبر من الإعجاب، وكانت لديه أجوبة عن كل شيء. كان المفضل لدى معلميه الأكبر سناً -السيد لوسون الذي كان يدرس مادة الاقتصاد، والسيد هوارد رئيس الدراسات القانونية- وكما هي الحال دائماً، كان هو رئيس لجنة الطلاب المتميز الذي يتزعم الخطابات، ما يبرر تحديداً حقه في ارتداء أكثر أزياء "برادا" المدرسية أناقة في مدرسته المرموقة.

وشأنه شأن طالب يافع في الصف السادس يتعطش للاهتمام - ردد سوناك أكثر من مرة أنه مدرك تماماً لتراجعه في السباق الانتخابي وكان ممتناً لأي تصفيق أو تشجيع يمكن أن يحظى به، على نحو يثير الشفقة. في الحقيقة، نجد سوناك يشبه إلى حد كبير الشخصية العطوفة لويل ماكينزي الذي يحمل حقيبة في كوميديا للمراهقين "ذا إنبيتوينيرز" كانت تبثها "القناة الرابعة". وبطريقة ما، يجعلك صهر أحد أصحاب المليارات هذا، تخال أنه "يشعر بألمك" عندما ترى حجم فاتورة الغاز لمنزلك.

أما ليز تراس، فعلى نقيض سوناك بدت أشبه ما تكون بأم قاسية الملامح ببشرة باهتة مائلة إلى الاصفرار، لا تأبه في الواقع إذا كان هناك اعتراض على ركنها سيارتها رباعية الدفع على خطوط عبور المشاة في الشارع. كانت في ملابسها الحمراء تتخذ موقفاً نقدياً خلال نقاشها التصادمي مع مقدمة البرنامج بورلي، بحيث بدت في غاية الحذر في إبداء تعليقاتها، وكانت إلى حد ما مستاءة من اضطرارها إلى الإجابة عن الأسئلة بما في ذلك أي معنى تقليدي لهذا الوصف، كما رفضت بشكل قاطع إطلاع بورلي على التصرفات الأكثر شقاوة في حياتها، باعتبار أن بناتها يشاهدن المقابلة (ما كان ربما يشير إلى أنها كانت مشاكسة بعض الشيء)، لكنها أكدت أن "ليس لديها ما تخفيه في ماضيها" الأمر الذي بدا لي وكأنها تفتح على نفسها أبواب المساءلة أو في الواقع تدعو أفراداً مثلنا في وسائل الإعلام، الذين يستمتعون بهذا النوع من الألاعيب، إلى التنقيب عن بعض الأوساخ الـ"تراستية" .

يبقى القول أخيراً إنه لمن المثير للاهتمام أن تبدو ليز تراس شديدة الحرص على تبرير "أخطاء" بوريس جونسون، كما لو أن كل ما تهور به هذا "الشخص المتمكن" لا يتعدى المظهر غير اللائق الذي كان يبدو عليه عبر عدم إدخال قميصه في سرواله. وفي الواقع إن تراس ينظر إليها إلى حد ما كما كان ينظر إلى جونسون، ولا سيما في ما يتعلق بازدراء الحقائق، والقواعد والاتفاقات - أو "تلك المعتقدات البالية" كما تسميها. وكما اتضح من جولة "المواجهة المحتدمة الأخيرة"، قد يكون هناك سبب وراء عدم رغبتها في أن يكون لديها استشاري مستقل في مجال الأخلاقيات وآداب التعامل. لا بل يحتمل ألا تقل خطورة عن جونسون. وهذا جانب لا بد من أن نكون على بينة منه.

 

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس-اندبندنت عربية


شبكة الأمة برس
https://thenationpress.net

رابط المقال
https://thenationpress.net/articles-3707.html


تمت طباعة المقال بتاريخ 2022-11-29 05:11:10