جو المتفائلة على مرّ السنين
2020-02-17 | منذ 2 شهر
 بروين حبيب
بروين حبيب

القصة التي تدور في القرن التاسع عشر، في فيلم «نساء صغيرات» للمخرجة غريتا جرفيغ ليست مجرّد وقفة زمنية، وقراءة لحقبة تاريخية مهمة، إنها أبعد من ذلك، فقد حملتني مع ذلك الكم العاطفي المتقن سينمائيا إلى طفولتي في البحرين، تذكرتني وأنا طفلة أتابع المسلسل الكرتوني بتفاصيله المدهشة، كما تذكرت قراءتي للكتاب في مراهقتي، وإعادة قراءتي له عدة مرات، هذا ليس كل شيء، لقد خرجت طفولتي دفعة واحدة بكل زخمها من شاشة السينما لتتقاطع مع المشاهد المماثلة التي عشتها، متوقفة عند ذلك الرهان المبكر الذي دخلت فيه مع نفسي بشأن مغامرتي مع الأدب والشأن الثقافي والعائلة، التي ستكون محور اهتمامي وعنايتي إلى اليوم.

هل كنت أرى نفسي أم أرى لويزا ماي ألكوت؟ لم أنشغل بالبحث عن الأجوبة، بل أطلقت العنان لدموعي صمتا في قاعة السينما، محاولة فهم معطيات الحياة، حين تكون صارمة في رسم طريق معيّن لأحدهم، فيصعب الحياد عنه، مهما اجتهدت المحاولات لفعل ذلك.

بالتأكيد، ما قدمته المخرجة غريتا جرويغ هو، مجموعة من الأفكار حول سيرة ذاتية لكاتبة أرادت أن تمنح الأبدية لكل اللحظات الجميلة والصعبة المشتركة بينها وبين أخواتها، ناقلة واقع المرأة في تلك الفترة، التي شهدت اضطرار المرأة للعمل من أجل إعالة عائلة، حيث بدأت الحرب تلعب بميزان حياة النساء، فإن فاتهن قطار الزواج باكرا، كانت حياتهن تصبح قاسية في عالم ذكوري يحتكر أغلب المهن، وينظر إلى المرأة غير المتزوجة نظرة إشفاق إن لم تكن دونية أحيانا. عبر الإطلالة القصيرة للممثلة العظيمة ميريل ستريب، نعيش متعة الأداء لأرملة صقلتها التجارب، تجعلنا نصغي بإمعان لأهم القواعد الأساسية، لكي تنجح امرأة في أمريكا خلال القرن التاسع عشر، فالمرأة يجب أن تكون ثرية أو جميلة، لتحصل على زوج جيد من طبقة ثرية، لتعيش حياة فخمة، مبتعدة ما أمكن عن مغامرة الحب، التي تقود الصبايا في تلك الفترة القصيرة من العمر، إلى ارتكاب الحماقات الأبدية، خوفا من ضياع الفرص.

حكايات النساء الصغيرات، تتقاطع أيضا مع حكايات لنساء كبيرات، مثل العمّة والأم التي تنغمس في العمل التطوعي، بسبب النتائج السيئة المترتبة عن الحرب. إنها جملة من التجارب المتنوعة، وقراءة شاملة لاحتمالات أنماط الحياة للأنثى، في مجتمع لا يعطيها الكثير من الخيارات لإثبات نفسها. وإن كان شق كبير من قصة نساء الرواية قائما على العلاقة الثنائية بين المرأة والمال، ومدى تأسيسها للحرية المنشودة لامرأة تريد صنع مصيرها بنفسها، إلاّ أنها أيضا أبرزت الجوانب النفسية الخفية في حياة أربع نساء، وسلّطت الضوء على مشاعر الأخوَّة بكل ما يشوبها من غيرة، وتضحيات، وحنين للطفولة، بكل ما فيها من مغامرات بريئة. وهذا ربما هو الجانب الذي نال إعجاب القراء، على مدى قرن ونصف القرن تقريبا، إذ لا أعتقد أن الشجاعة التي تحلت بها الكاتبة لشق طريقها خلافا لما هو مألوف آنذاك، كانت العامل الأول لنجاح القصة، بدليل أنهم طالبوها بتزويج بطلتها حتى تحافظ على بريق قلمها واستمراريته، وذلك بالضبط ما فعلته، رغم أنها عاشت عزباء طيلة حياتها. القصة التي عادت لواجهة المكتبات بنسختها الأصلية بعد نجاح الفيلم، تكشف إلى أي مدى هو حداثي موضوعها، فاليوم لا تزال الأسئلة نفسها تطرح بشأن المرأة وعملها واستقلاليتها، في ظل المعطيات الاقتصادية الجديدة، التي انبثقت من قلب الأحداث هنا وهناك، حتى لامست المجتمع الغربي في بعض بلدانه.

لقد قرأت القصة في بداية مراهقتي، وكانت بالنسبة لي قصة ممتعة وحزينة، في قراءتي الثانية لها بدأت أفهم إيمي، ثم جو، ثم ميغ.

كانت حياتهن تصبح قاسية في عالم ذكوري يحتكر أغلب المهن، وينظر إلى المرأة غير المتزوجة نظرة إشفاق إن لم تكن دونية أحيانا.

حنين أخذني إلى القصة مرة ثالثة، لأسجل قراءة مختلفة لها، وقد أصبحت طالبة جامعية، حيث وجدتني أطرح أسئلة معقدة بشأنها عن الإخلاص لمبادئ قديمة، عن القدرة على إفلات الحبل الذي يربطنا بالعائلة، وبالماضي سواء كان جميلا أو مؤلما، والانطلاق بدون أي رابط نحو أفق يخصنا وحدنا، برزت أمامي قضية الهوية بكل ثقلها، وأدركت أن أي نص بإمكانه أن يأخذ أكثر من معنى، حسب سلم إدراكنا وأنه من المستحيل أن تكون القراءة نهائية له إلا إذا كان فاشلا، وهذا مستبعد من منظور المنتصرين لنظرية القراءة، مادامت أي قراءة قادرة على إحياء أي نص ومنحه حياة ثانية، ثم من وجهة نظر أخرى مثل قول رولان بارت، فإن «القصة تسخر من الأدب الجيد والسيئ» وهي الثابت عبر التاريخ، وهي التي تحدد بقاء النص مهما كان سيئا.

هذا تحديدا ما جعل نص «نساء صغيرات» نصًّا خالدا، وأقصد القصة التي لامست مشاعرنا كنساء، ما عدا جماليات اللغة التي وظفت في سرد تفاصيله، ولعلّ هذا ما أدركته غريتا جرفيغ، حتى أصرّت على الإبقاء على كثير من الحوارات بفخامتها الأدبية تماما، كما كتبتها ألكوت، وإلزام ممثليها على أدائها بسرعة، كما في حياتنا اليوم، محدثة بذلك التميز في نسختها السينمائية الجديدة لهذه الرواية. كما أُعطِيت أهمية قصوى لبيت الدكتور مارش، الذي استُلهم من بيت الكاتبة نفسها، المفتوح للزائرين كمتحف دائم، وهذا يعني أن نسبة زائريه سيزدادون بعد هذا النجاح الساحق للفيلم.

ثمة ميكانيزمات تخلقها القراءة الجيدة لعمل روائي من طرف سينمائي موهوب، وهي حيوية إلى أبعد حد، ببثها الحياة في الأمكنة، بما تمثله من مدن ومنازل، والترويج لأفكار إبداعية خلاقة، ترتبط مباشرة بالكتابة الإبداعية. وهذا حدث لطالما أُهمِل إعلاميا، مع أنّه يستحق الإضاءة عليه، على الأقل من باب التحفيز وإلهام الشَّاعِرِين بالعجز لتوظيف طاقاتهم، والاستفادة مما يمتلكون. أذكر بالمناسبة شغفي ببيوت الكتاب والشعراء، وبعض الشخصيات القائدة، إذ لطالما كانت بندا مهما لزياراتي في كل بلد تطأه قدماي، ولطالما رأيتها بمنظور مختلف، مرتبط مباشرة بالأثر والطاقة الإيجابيين اللذين يسكنانها، كما لا أخفي أبدا حجم الأفكار الملهمة التي تنفجر في داخلي، كلما وقفت في عقر إحداها.

في أقوى المشاهد التي تربطنا ببيت العائلة، ودفئها، تخرج كلمات جو البريّة مثل لهب النار من فم تنين «الذي يحلم بالعيش بقلمه، لا يعتمد أبدا على رجل» وهذا أيضا يفتح لي نافذة واسعة على كاتبات كثيرات، عشن كالظلال تحت أجنحة أزواجهن، وقليلا ما نعمن ببعض الضوء المنعكس عليهن من خلالهم، فقد كانت سلطة الزوج لا تتناسب دوما مع سلطة القلم، ولا أدري لما حضرتني سيلفيا بلاث كالعادة، كنموذج لذلك الصراع الذي ينتهي نهاية سعيدة في حالة واحدة، هي العيش بدون رجل، والإخلاص للقلم، أما الجمع بينهما فقاتل للمرأة لا محالة.

خمس وعشرون سنة مضت على آخر نسخة سينمائية للرواية، التي نشرت أول مرة سنة 1868، وما نجاح نسختها الجديدة سوى احتفاء يتردد صداه مع حداثة مثيرة للإعجاب، يميز الرواية كأيقونة من أيقونات البطولات النسائية، من خلال شخصية جو (أو الكاتبة نفسها) التي شقت طريقا صعبا في عالم الكتابة، الذي كان حكرا على الرجال. كل هذا العمر الطويل، والرواية تزداد تألقا، كأنّها صبية في عز شبابها، فقد ولدت سينمائيا أول مرة في نسخة صامتة عام 1918، تلتها خمس نسخ سينمائية جيدة، وأربع نسخ تلفزيونية، وثلاث نسخ كرتونية، منها النسخة التي تابعتها أنا…في كل هذه النسخ جو لا تزال تمنح النساء الكثير من التفاؤل، وتجعل الرجال أكثر تفهما لهن.

 

  • شاعرة وإعلامية من البحرين


مقالات أخرى للكاتب

  • هل غيرت جائحة كورونا طريقة تفكير الناس؟
  • العودة إلى أدب الأوبئة
  • الكاتب الذي يكتب ليغطي الورق

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق






    شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي