إبحث:
عناوين أخرى


كيف ترى اليمن بعد العدوان والحرب الداخلية





 
ثقافة
الدكتور عمر عبد العزيز لـ ( شبكة الأمة برس العربية الأمريكية الأخبارية) : لا دين للأصولية والتطرف وراهن العرب يتمثَّل تاريخنا الخاص
2017-02-11 03:33:22



الأمة برس -

 oالملكيات مطالبة بديمقراطية تحترم المرجعية السلطانية التاريخية وعلى الجمهوريات أن تتجمهر

o الربيع كشف الوحدة العضوية بين أنظمة الحيرة العربية 
o صيرورة الإفناء اتصال ثقافي ماضوي يسوق العرب إلى ما هو أدنى من "كامب ديفيد"
o نحن أمام "أوتوقراطيات جمهورية" تُورِّث الحكم لحاكميات غير تاريخية
o حلم الوحدة العربية سيعود فالعرب بحاجة وحدة تضمن تآلف أنساق التعدد 
o المفسرون تمنطقوا المقدس ورجم الآخر المختلف فألبسوا الحق بالباطل 
o الأديان جاءت لخير البشرية والرُّسُل تاقوا إلى تحقيق العدالة والمساواة ولا دين للأصولية 
o العلمانية مناجزة مفاهيمية لا تتعارض وجوهر الإسلام رغم اشتباكها السياسي والأيديولوجي

 
 
في حوار فكري ثقافي مطول لـ (موقع شبكة الأمة برس الأمريكية الأخبارية) ومن منظور تاريخي تراكمي، قدم المفكر والأديب الموسوعي اليمني الدكتور عمر عبد العزيز توصيفاً بالغ الدقة والواقعية لمنحنيات وأطر راهن المشهد العربي، وتدافع تعقيداته الخارجة من تضاعيف الماضي المتخم حيناً، بإشراقات حضارية لصعود الأمة العربية على رسوخ جوهر الإسلام الذي قدم بديلاً قيمياً لجاهلية التنافي، فاتحاً أُفْق التثاقُفْ والتعايش المديد بين شعوب الإنسانية، وحيناً آخر بإرهاصات النكوص المؤلم على إيقاع الصراعات، وعودة الفوران الجاهلي لصيرورة الإفناء.. معتبراً ما تشهده سوريا ولبنان والعراق دليلاً قاطعاً على محنة استمرار متوالية الإبادة الذاتية المجانية في النسيج العربي الواحد..
وأكد عمر عبد العزيز أن تلاشي حُلم الأمة العربية الوحدوي سيعود، وإن خبا وتلاشى، فالضرورات الماثلة تؤكد أن الدول العربية بحاجة إلى انتقال سريع نحو مفهوم الأمة الذي يوحِّد هذا الكيان ضمن تعددية نسقيَّة لا تخل بما هو كائن، ولا تتنازل عن ضرورات التحدي وسط أعاصير التشظي.. لافتاً إلى أن الاشتباك المفاهيمي العصيب بين أشكال الحاكميات، وواقع الممارسات السياسية، يضع الفكر السياسي العربي، أمام مسئولية تاريخية تحتم عليه تأصيل المفاهيم اللصيقة بأنظمة الحُكْم، مِنْ زوايا المبنى، والمعنى، والفكر والسلوك، لما لذلك من ضرورة قصوى للفصل بين الثنائيات التصادمية في منظومة التكوين الفكري والسلوكي لبنية سلطة النظام العربي..
وتطرق هذا الحوار الفكري إلى قضايا الدين والدولة والأصولية في المجتمع العربي، ومن يرسم الصورة الذهنية النمطية للآخر.. وقضية العلمانية، التي أخذت مدىً واسعاً في مثار الجدل السلطوي (السياسي والديني).. سابراً أغوار معطيات وأبعاد قضية العروبة من زاوية الهوية، والتنوع الإنساني.. مؤصلاً معضلة التنافي العربي، وموقع العرب من ركب الحوار مع الذات والآخر، ومعيقات تشكُّل ثقافة الحوار الخلاق، ومسارات جدل الكلام، بتحولاته بين الدين والسلطة، ومجريات محطات الصراعات التاريخية، وصولاً إلى عصر العولمة المفتوح على أحدث تقنيات الاقتتال والدمار، وقضايا أخرى في ترامي تعقيدات المشهد العربي من زوايا المقارنة بين الأمة العربية.. وقضايا أخرى... 
 
أجرى الحوار: محمد محمد إبراهيم 
 
 
# # بداية دكتور عمر، ضعنا أمام خلاصة واقعية.. للمشهد العربي خلال سنواته الربيعية الخمس السابقة وما الأبرز صِلَةً بمنظومتنا الثقافية العربية ذات البعد التراكمي على المسار التاريخي.. ؟
 
# راهن المشهد العربي يتمثَّل تاريخنا الخاص بطريقة مدهشة، فالإقامة المديدة في المحتوى التاريخي العربي صفة شاملة في كامل الجغرافيا السياسية العربية، ورغماً عن تعدد التسميات وتنوع الدساتير المعلنة، والشاهد على ذلك سيادة النزعة الأوتوقراطية التي تحيل المؤسسة إلى حالة من التماهي الجبري مع فضاء السلطان الدنيوي النابع من فكرة الأنا الرائية الباصرة العالمة العليمة، ولقد أظهرت انتفاضة الجماهير العربية قبل سنوات قليلة ذلك القاسم المشترك بين الأنظمة العربية، مما يستحق وقفة استعبادية لمعرفة المدلول العميق لتلك الانتفاضة، وكيف أن ركوب الموجة من قبل أطراف داخلية وخارجية بدا كما لو أنه سياق استتباعي لفرصة سانحة كان لا بد وان ينتهزها حملة الأجندات أياً كان لونهم وشكلهم.. وهنا تبدوا فكرة المؤامرة الخارجية ساذجة إلى أبعد الحدود فالتاريخ الإنساني قائم أصلاً وأساساً على التدافع المحكوم بالفرص السانحة لا الآداب والأخلاقيات الطوباوية التي قد نستوهمها. 
تختلف المسميات وتتوحّد الظاهرة التحوُّلية الجبرية في مقدماتها وأهدافها ومقاصدها، وحتّى في تعقيداتها، فالربيع العربي تسمية أطلقتها الآلة الإعلامية العالمية الضخمة الصادرة عن الغرب السياسي، في توصيف استمد روحيته الأساسية مما سُمّي يوماً ما بـ"ربيع براغ" نسبة إلى العاصمة التشيكوسلوفاكية في ذلك الحين"، وكانت التسمية يومها مُجيّرة على صراع مكشوف بين الشرق والغرب، وكان المغزى السياسي للتسمية مقابلاً للحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي ومن يتحالف معه من جهة، والولايات المتحدة ومن يتحالف معها من جهة أُخرى.
الصورة العربية مختلفة من حيث أن الانتفاضة الشعبية لم تكن ضد نظام واحد وموحد، بل ضد سلسلة من الأنظمة العربية غير الموحدة في إرادتها، والمتشابهة ضمناً في آليات عملها، وتعاملها مع قضايا المجتمع واستحقاقاته، ولهذا السبب نستطيع تفسير تلك المُخاتلة التي ترافقت مع نغمة النظام العربي، يوم أن أدّعى كل نظام أنه ليس الآخر، وأن مصر ليست تونس، واليمن ليست مصر، وليبيا ليست تونس، وسوريا ليست اليمن، وهكذا.
 
# # هل كان هذا الخطاب يقصد الاختلاف في تعاطي الأنظمة مع ما يجري، أم وعي الشعوب... ؟
 
# من عجائب الدَّهر أن هذا الخطاب النافي لأي تشابه بين الأنظمة العربية التي تعرضت لنيران الجماهير الحامية، كان يتكشّف في الواقع على تشابه أكروباتي، حتى أن ما جرى من تدابير أمنية عقيمة هنا وهناك كان متشابها إلى حد التناسخ، ولعل المثل الأكثر "كوموتراجيديةً" في هذا الجانب جرى في ساحات الاعتصام والمطالبة بالتغيير في مصر واليمن، فقد أدارت أجهزة المعالجات الأمنية السقيمة مشهداً سينمائياً واحداً من خلال هجمتين متشابهتين ومتناسقتين.. باستخدام الخيول والجمال والبلاطجة، كما تشابهت أجهزة الإعلام الرسمية الناظمة لأداء حكومات ما قبل التغيير في نكرانها المُبين لواقع غير منكور. وبهذا المعنى انكشفت الوحدة العضوية بين الأنظمة العربية الحائرة، وسقطت مقولات كلّ نظام أنه الآخر.
 
# # ما أوجه الشبه والخلاف في المآلات بين "الربيع العربي" و"ربيع براغ"..؟ 
 
# إذا كان ربيع براغ التاريخي المُكْتَسح بقوة الدبابات السوفييتة شكّل مقدمة لما بعد ذلك، فإن سقوط المنظومة الاشتراكية برمتها كان سقوطاً حراً متداعياً وخالياً من الدماء إلا في بعض الاستثناءات التي لا تكاد تُذكر، كالحالة الرومانية على عهد الرئيس المقتول "نيكولاي تشاوشسكو". والطريف أن الصدام المسلح بين الجيش الروماني والحرس الرئاسي تمّ في غياب الرئيس "تشاوشسكو"، لكن ما جرى في العالم العربي مختلف تماماً، فمصر شهدت اعتداءات قاتلة على المعتصمين في الساحات، واليمن تجاوزت الأمر قليلاً من خلال إشعال مصفوفة مختارة من الحرائق في أبين وأرحب وتعز، أما ليبيا فحدّث ولا حرج، وما يجري الآن في سوريا لا يحتاج إلى مزيد من التعليق. وكانت تونس الحالة الاستثنائية الوحيدة لأن رئيسها السابق التقط الإشارة، وعرف مغزى العبارة، فوفّر على نفسه وشعبه محنة التقاتل العدمي، ومن المؤكد أن الجيش المهني التونسي وقياداته الراشدة كان لهم فضل مؤكد في تلك النهاية الناعمة السريعة.
 
تصحيح المسار العربي
 
# # يرى البعض أن الربيع العربي هو أحداث تتصل برغبة جماهيرية كامنة مسعاها تصحيح المسار العربي.. فهل هو كذلك، أم أنه ثورات، أم انتفاضات، أم انقلابات ؟
 
# ليس مُهماً التسميّة، بل الفعل وأبعاده ونتائجه الماثلة والقادمة. والحاصل أن العالم العربي يشهد انعطافة مؤكدة، ويخوض حرباً لا مردَّ لها، ويسلك درباً يعيد عبرها إنتاج كامل الاحتقانات التي أسهمت الأنظمة العربية في ترسيخها، وقدّمت لها الأسباب، وبدلاً من أن تجعل الزمان ونواميسه، والمكان وعبقريته شاهدين على التطور والنماء، عاكست الريح وتكبّرت على الحقيقة، وفتحت المجال لمظالم يشيب لهولها المولود، وليتها اكتفت بذلك، بل حوّلت أسباب النماء الى دمار، والفرح إلى أحزان، بل ازدادت محنة الناس، حتى أصبح الموت والحياة لديهم سيّان، فخرجوا في مصر وليبيا والشام واليمن ليواجهوا الرصاص بصدور عارية.. نعلم اليوم ما جرى ويجري على الأرض، لكننا لا نستطيع التنبؤ بالغد القادم، غير أن منطق التاريخ يقول إن العجلة التي تدور لا ترجع إلى الوراء، وأن دورة الزمن الدائرية تأخذ مجراها بكيفيات ملهاوية ومأساوية، ولكنها تجري لمصائرها المحتومة.
 
# # أين العرب اليوم من المسار الصحيح باتجاه المجتمع المدني المعرفي.. ؟ وما التصحيح المطلوب..؟ 
 
# قديماً قال المناطقة أن المقدمات تفسر المآلات، وقد رأينا أن المقدمات الجوهرية في حالة الإخفاق التام عربياً، نابع جوهراً وأساساً من طبيعة الأنظمة الرافضة للمشاركة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون الوضعي المُخرْسن بالدساتير المسطورة والبرلمانات المرصوفة كأقراط الموز.. هذه الحالة باعدت المجتمعات العربية عن معانقة اقتصاد المعرفة. ذلك أن هذه المثابة من الرقي والتطور تستلزم حضوراً أفقياً لكل إمكانيات المجتمع العقلية والذوقية والمادية، مما لا نراه في جُلّ العالم العربي، وللوصول إلى تلك الدرجة التي نستحقها لا مفر من إصلاحات هيكلية تطال بنية الدولة العربية المعاصرة، وتحررها من الإقامة في نواميس القرون الخالية، والخارطة في هذا الباب واضحة المعالم: الانتقال إلى الدولة الاتحادية اللامركزية.. انتظام المشاركة المجتمعية على قاعدة المواطنة القانونية العابرة للقبيلة والطائفة والأعراق.. تعظيم الأفضليات التنموية الأُفقية من خلال تفعيل الآليات اللامركزية في مختلف جوانب الحياة.. والتماهي الايجابي مع العولمة الموضوعية باعتبارها ميدان المباراة الحرة لفاعلية تُنمِّي الميزات النسبية، وتجعل الحضور العربي في العالم المعاصر حضوراً منساباً مع سرب الطيور البشرية المحلقة إلي آفاق العلم والتكنولوجيا والنماء.
أما التصحيح المطلوب عربياً فليس وظيفياً كما يعتقد الواهمون، بل هيكلياً سيطال بنية النظام العام فقد ثبت بالدليل القاطع أن جل النظم العربية السائدة تحلق خارج السرب الطبيعي للبشرية الناهضة، ومن يقول غير ذلك يكذب على نفسه.
 
إشكالية العقل والنقل
 
# # شهدت الأمة العربية والإسلامية خلال 14 قرن مضت، محطات ازدهار واستقرار حضارية، رغمها لا زلنا نراوح الصراعات على عتبات أدبيات ونصوص الاختلاف.. برأيكم أين تكمن المشكلة في النص أم في العقل.. ؟ وكيف استطاع الإسلام نقل العرب من جاهلية التنافي إلى فضاء التعايش الإنساني..؟
 
# لمعرفة الثقافة العربية في جذورها الأولى لابد من العودة إلى عرب الجاهلية بوصفهم التعبير الفولكلوري عن النوع العربي بأحلامه وهواجسه، بأبعاده الحياتية الايجابية والسلبية، برؤاه وأفكاره، وبداية لابد من إقرار أن العرب لم يكونوا شيئاً واحداً، ولم يمتلكوا ثقافة موحدة حتى نزعم بأنهم صادرون جميعاً من البيان والبديع الموصولين بالغنائية. أي نعم، أن البيان والبديع كان وسيلة العرب الحاسمة للتعبير عن نمط وجودهم وأفكارهم، غير أن ذلك البيان لم يكن متجانساً، ولم يصب كله في خانة واحدة وحيدة كما تذهب بعض الكتابات، فبالقدر الذي تتبعنا فيه تلك الحالات العصبوية الصادرة عن ثقافة الفروسية وشرعة القبيلة، رأينا الحكمة والرويّة، وبالقدر الذي لامسنا فيه أنصار الصعلكة والتمرد المقرون بالحرية، كان هنالك أيضاً أصحاب المشاريع السياسية والفكرية.. تلك حالات ظاهرة في سماء الثقافة العربية التي مهدت لذات المسار التاريخي، ولقد كان بيان هؤلاء ساطعاً في سماء الإبداع، قليل الحظ في الحكمة، لأن أساس رؤياهم اقترنت بالعصبية الواضحة والتطرف الذي لا يقبل التراجع..
الإسلام جاء ليعصف بثقافة التنوع غير الحميد، ويقدم البديل الشامل لها،  فتوحّد العرب بعد فرقة، وأصبحوا يحملون رسالة شاملة.. شكّل انتشارها مشروعاً عالمياً للتثاقف والتعايش المديد بين الشعوب، وتمثلت عبقرية التماهي الايجابي بين الثقافات، في تلك القابلية الهائلة لاستيعاب ثقافات الشعوب وحكمتها ضمن منظومة معرفية مركّبة اعتمدت على البيان العربي حتى أن كبار علماء الإسلام كانوا عرباً بالمعنى الثقافي، والعروبة التاريخية تحولت من حالة اثنية ضيقة عصبوية إلى مشروع ثقافة إنسانية شاملة، وضعت اللغة العربية في مركز القلب من الحضارات التي كانت في تلك العهود.. وفي هذا السياق راجع المسلمون العرب الفكر الإنساني تمثلاً واستيعاباً، ونقلوه وأضافوا إليه ممهدين للثورة المعرفية الكبرى في أوروبا.. تلك الثورة التي بدأت إرهاصاتها الأولى داخل الكنيسة وفي علوم اللاهوت، ثم انتقلت لاحقاً لتشمل جوانب الحياة المختلفة، مفضية إلى انبثاقات المذاهب البُرْهانية الأكثر اعتداداً بالعلوم ونتائجها.. تالياً لذلك، انحدرت الحضارة العربية الإسلامية على حين غفلة من الدهر، بعد أن نخر فيها سوس الفساد والاستبداد، وتحول المشروع إلى معاول هدم وتخريب لما بناه الأسلاف الكبار، فعادت الظواهر الصوتية ومنطق الصراخ والعويل.. إذ أن الظاهرة الصوتية العربية ببعديها السلبي والايجابي لم تخفت أو تستكين .
 
# # هل نفهم من هذا أن التاريخ الإسلامي العربي الإيجابي بعد ذلك.. انقطع أو توقفت اشراقاته..؟! 
 
# لا يمكن للتاريخ أن ينقطع ولا للثقافات أن تخبوا وتتلاشى، وهذا ما ميّز تواريخ العنف والاستبداد حيث تجاور معها الازدهار والتطور، كأنما الخير والشر ترافقا جبراً لا خياراً وتصارعا سياقاً لا فكاك منه، فالخلافة الإسلامية خرجت عن جوهرها الأصيل يوم أن تحول السلطان إلى هدف وغاية، وحكمة الدين ارتطمت بمنطق الإلغاء والقهر يوم أن تصدعت الدولة بفعل العصبية التي قدم لها ابن خلدون بيانا تفصيلياً في تاريخه المكتوب، والحكمة توارت أمام عنفوان المصلحة المقرونة بالعصبية.
وقديماً تحدث المؤرخون عن عرب عاربة وأخرى مستعربة.. لكن التاريخ يثبت أن هذا التقسيم الثنائي لـه ما له، وعليه ما عليه، فالعرب لم يتواجدوا تاريخياً في شبه الجزيرة العربية فقط، بل كانوا متواجدين في عموم الشام، وجزء من فارس، وحتى مصر الممتدة إلى صحراء سيناء والنقب. وتدل القرائن اللغوية والأثرية إلى أن لسان العرب المعروف ليس بعيداً عن اللغة الآرامية التي كان يتحدثها السيد المسيح عليه السلام وقومه، بل إن تلك اللغة تكاد لا تختلف جوهرياً عن العربية فيما يشبه العلاقة الحالية بين الإسبانية والبرتغالية، أو بين الرومانية والإيطالية حيث تتشابك هذه اللغات في القاموس والصوتيات وأوجه عديدة من القواعد. 
والشاهد أن عرب الجزيرة العربية كانوا على صلة مؤكدة بما يتجاوز جغرافيّـة الجزيرة.. وقد ورد في القرآن الكريم إشارة إلى رحلة الشتاء والصيف التي كان يقوم بها عرب الحجاز إلى الشام واليمن.. العروبة بهذا المعنى لا تنحصر في تلك الجغرافيا الذهنية التي تفترض أن لغة قريش هي لغة العرب الوحيدة، أو أنها لغة بعيدة عن بقية اللهجات التي انتشرت في جزيرة العرب.. وفي اليمن حيث الشيفرات الأولى والتواصلات التاريخية مع حضارات سادت ثم بادت، نجد أن للعربية أصلاً أصيلاً في تلك الأصقاع، وأن الحروف الحميرية والسبأية لم تكن مقطوعة الصلة بلغة العرب التي جاء بها القرآن الكريم بل العكس تماماً . 
 
# # بناء على هذا الترابط الإنساني الذي عزّزه الإسلام.. كيف يمكن استنهاض القواسم المشتركة بين العرب والآخر.. ؟
 
# علوم القرآن الكريم شكلت مصدراً كبيراً لتخصيب العربية بالدلالات والمعاني القاموسية والتواشجات اللغوية مع الآخر الإنساني والحراك الفكري المفاهيمي الواسع، حتى أن لغة العرب أضحت لغة العالم المتحضر في القرون التي تلت انتشار الإسلام وازدهاره، وكانت أوروبا القرون الوسطى الخارجة لتوها من غياهب الظلمات تتأسّـى بالعربية وتدرسها وتعتبرها مرجعاً لإجازة العلماء ورجال الدين والمفكرين. 
كانت البداية كما أسلفنا مع علوم القرآن التي تفرعت إلى التفسير، فالكلام، فالتأويل المتاخم للفلسفة. والتفسير هو تقديم نص لاحق على نص سابق، أو محاولة لتفسير القرآن الكريم بوصفه مرجع المسلمين الأول المنظم لحياتهم الدنيوية والرائي لما يلي تلك الحياة من ثواب وعقاب وبعث ونشور وجنة ونار. ولأن القرآن الكريم نص إلهي لا يمكن استنفاذ معناه ومبناه فقد كان من الطبيعي أن يزدهر التفسير تنوعاً واجتهاداً، وأن يصل إلى تخوم "الكلام" الأكثر استغراقاً في التفلسف، واستعارة الأدوات المنطقية والرياضية للفلسفات الإغريقية والهندية السابقة.. وعلماء الكلام شكّلوا كوكبة الرافعين الجدد من شأن العربية، لأنهم طوّعوا اللغة لمفاهيم ونظرات متجددة تبنّتها الفرق المختلفة، واختلفت فيها حد الحوارات العقيمة، وخاصة المتعلق منها بالأمور الغيبية.. ولاحقا مهَّد علم الكلام للفرق السجالية، والفتنة التي مهّدت لتقويض الدولة العربية الإسلامية.
 
الغيبيات والمعرفة
 
# # على ذكر الأمور الغيبية.. في كتاب "الأعمدة السبعة" يعيب لورانس على شخصية العربي توقفه عند قضية الغيب، مؤمناً بغيبيات تكشفّت بالعلم والمعرفة.. ما هو ردكم على هذا التوصيف.. ؟ وما هي العلاقة بين الغيب والمعرفة..؟! 
 
# كثيرٌ من علماء وأئمة المسلمين ألمحوا إلى أن مفهوم الغيب لا يتعارض مع المعرفة، فالأصل في المعرفة البحث والدأب والتساؤل.. وهذا يعني أن الغيب مفتاح  المعرفة، ولكن الغيب الذي يؤدي إلى المعرفة له شروط وأحكام أبرزها التسليم، واليقين الإيماني، والتوحيد، وعدم الإمعان في التساؤلات غير المجدية، والتخلص من اللجاج والجدل الفارغ، والحفاظ على مسافة ضرورية بين المعلوم والمجهول.. لقد استقامت نظرية التعليم عند أسلافنا على مبدأ الحفظ دون معرفة تفسير الكلمات.. ثم تفسير الكلمات دون معرفة معاني الجُملة، ثم معرفة معاني الجملة دون معرفة ما بعد ذلك.. أي أن كل عتبة معرفية كانت مقرونة بمجهول ومغيَّـب، فإذا ما انتقل الإنسان من عتبة إلى أخرى يكون كمن انتقل من معلوم إلى مجهول، وتكون المرحلة السابقة على معرفة الجديد ذات طابع ضبابي، وأحوال تميد بأقدام الدارس، وتجعله في زمن سرابي سرعان ما يتكشف عن جديد مُبهم. 
 هذا الترحال خرج من تضاعيف الكلمة فالجملة ليصل إلى الكلام الخارج من أعطاف التفسير، مؤسسا  لمرحلة التفلسف اللاحقة، فالأبحاث الميتافيزيقية التي كرسها بعض علماء المسلمين وتقاطعت مع أوروبا بصورة كبيرة، حتى أننا نستطيع أن نضع مقابلات معرفية وذوقية بين أسماء من هنا وأخرى من هناك .. مثال على تلك الثنائيات: "محيي الدين بن عربي" و"توما الإكويني".. "الحلاج" و"جوردانو برونو".. "ابن رشد" و"مارتن لوثر الأول".. "الخليل بن أحمد الفراهيدي" و"دانتي اليجيري" .. الخ.. 
مثل هذه التقابلات في الأسماء تنطوي على معارف وتقاطعات واسعة تؤكد أن بيان العرب ولسانهم الذي كان محمولاً على أكتاف العلوم الإسلامية لعب دوراً كبيراً جداً في تباشير النهضة الفكرية والمعرفية الأوروبية مما يؤكد واحدية الفكر الإنساني من جهة، كما يؤكد أيضاً أن العروبة الثقافية تتجاوز المحددات اللغوية بالمعنى القاموسي.. والجغرافي، والإثني، والتاريخ الخاص، ليكون تواصل الحضارات بمثابة إنجاز زاهر في عالم الثقافة  الواسع. 
وما أشبه الليلة بالبارحة، فالإنكليزية العالمية في أيامنا ليست لغة "شكسبير"، بل ساحة ثقافية لتنويعات وتنوعات معرفية وذوقية.. والأدب المكتوب بلغة "ماركيز"  و"أمادو" الإسبانية مغاير للأدب المكتوب بلغة "باولو كيلو".. و ما يقولـه الشاعر الإفريقي "سنغور" بالفرنسية يختلف عن الذي قاله "رامبو".
 
العروبة.. جغرافيا وهوية
 
# # أين نجد العروبة اليوم من ركب الحوار البناء مع ذاتها ومع الآخر.. ؟ وما هي كوابح إرساء ثقافة الحوار.. ؟ 
 
 # ما من مفهوم إثني وثقافي وتاريخي يثير إشكالاً واسعاً كما أسلفنا كمفهوم العروبة المرتبط أساساً باللغة العربية، أيضاً بالدين الإسلامي الذي حمل مشاعل البيان والبديع العربيين،  وأسهم في ترسيخ ثقافة تاريخية تتجاوز تخوم الجزيرة العربية لتنشر ظلالاً واسعة على العالم المعروف آنئذ.. لا يمكن إذاً استقراء العروبة في البُعد الجغرافي الدال على أهميته، لأن جغرافيا الثقافة تتجاوز بمراحل الجغرافيا اللغوية، مما يجعل البُعدين الإسلامي والأسيوي الإفريقي الكبير مجالاً واسعاً للعروبة الثقافية، تماماً كما هو الحال بالنسبة للمسيحية العربية، والأفريكانية المتواشجة مع الثقافة العربية بالمعاني اللغوية والإشارية مما نجد لـه حضوراً واسعاً في السودان والصومال واريتريا وإثيوبيا وتشاد والنيجر والسنغال ومالي.. وبهذا المعنى تكون العروبة قوة الدفع التاريخية الكبرى التي حوّلت عرب الجاهلية من التعصب إلى التعايش، ومن التآكل الذاتي إلى الانتشار الواسع، ومن الدهرية العدمية إلى المعاني الما ورائية السامية. 
فالعروبة بهذا المعنى ليست قيمة "إثنية" كما يذهب بعض المتعصبين، وليست مساحة جغرافية تضمها الجامعة العربية بين طياتها، وليست أيضاً معطى للدين الإسلامي فحسب، بل إنها اجماع كل عناصر التنوع الإنساني. 
والخلاصة، ولمعرفة معوقات الحوار البنَّاء في الزمن الثقافي والمجتمعي العربي لا مفر من استقراء الواقع الثقافي العربي من زاوية انتربولوجية تتَّسع لمحاصرة إدراكية ومعرفية لبذور ثقافة الأنا الذاتية الرافضة للآخر المغاير، في تأكيد متجدد على الأنا المركزية، بمقابل استبعاد الآخر إجرائياً، وفي هذا النوع من النفي للآخر انتفاء ضمني للذات، بوصفها حالة غير محققة للكمال والتكامل دون الآخر المختلف والمغاير.. هذا التعميم لا نأتي به من عندياتنا واستيهاماتنا الذاتية، بل نجد أسباب وجاهته وحكمته في قوانين الطبيعة والتاريخ، ففي كل خطوة نخطوها باتجاه التكشُّف على الطبيعة وقوانينها نجد أن الثنائيات المتعارضة شكلاً تمثل في ذات الوقت الميزان الأسمى للتكامل، وفي أي قراءة ناظرة للتاريخ نجد أن الإزدهار والنماء يكمن في تعايش الأنساق وتكاملها، ضمن سياق عام للجدل البنَّاء..
# # حتى لا نذهب بعيداً في الماضي.. ضعنا أمام صورة أقرب من الربط بين الماضي والحاضر.. لمعضلة تأخر العرب بصورة فجَّة بعد الصُعُود الحضاري السريع.. ؟
 
# لا ضير من استقصاء التاريخ وإمعان التأمل في دروسه الملهمة، فمن الأهمية بمكان الاسترجاع الوامض للماضي الثقافي العربي حتى نلتمس وجه الخلل التاريخي في ذلك الماضي، ونستوعب الضرورات المستقبلية في إطار من الخصوصية الجبرية التي لا مفر لنا منها.. من المعروف تاريخياً أن الثقافة العربية السابقة على ظهور الإسلام بدت كم لو أنها المقدمة المؤكدة للإسلام، والشاهد على ذلك ديانات التوحيد الإبراهيمية التي كانت حاضرة في أساس الرؤى الدينية في الجزيرة العربية وسنرى تباعاً أن الإسلام أكد على تكاملية أديان التوحيد الإبراهيمي، متخلياً عن الشوائب التي حاقت بها في سياق السفر التاريخي التأملي من التجسيم إلى التجريد، مما هو مشهود في سيرة إبراهيم الخليل عليه السلام كما وردت في القرآن الكريم.
 وبمقابل التوحيد الإبراهيمي بتنوعاته المسيحية واليهودية والحنفية الإبراهيمية الموازية، شهدت الجزيرة العربية اتجاهات دينية وثنية تمادت في التجسيم المقرون بتعددية الآلهة كتعبير عن التعددية الوجودية على غرار ما كان  من أمر الإغريق في تعددياتهم الدينية الوثنية، وفي كلتا الحالتين نصل إلى قناعة مؤكدة بأن مجتمع العرب قبل الإسلام لم يكن بعيداً عن التيارات الفكرية والثقافية في العالم حينها، مما يدل مجدداً على أن ثقافة الحوار الحضاري الإنساني أصل أصيل في الثقافة العربية التاريخية. هذا الأصل سار خطوات إلى الأمام بالترافق مع قوة الدفع الكبرى للإسلام التاريخي، وتمدداته الافقية الهائلة في العالم، وهو ما يكشف لنا سر الإزدهار الحضاري الكبير للدولتين الأموية والعباسية، وصولاً إلى تخوم الأندلس، كما ان ذات الظاهرة تفسر لنا السبب في خبو وتلاشى الحضارة العربية الإسلامية عندما تباعدت عن جدل الحوار الخلاق، والتعددية النسقية، وقابليات التخطي المتواتر لما عُرف من أمر الماضي التاريخي.
هذا الطرح يقودنا إلى للإجابة عن أسئلة الحيرة في تأرجح العرب حضارياً، فنحن نقف اليوم أمام المعوقات الكبرى التي جعلت العالم العربي ينحدر في مضمار السباق الماراتوني الحضاري الإنساني، وصولاً إلى ما نحن عليه اليوم مما يقتضي تحديداً واضح المعالم للأسباب العميقة وراء التردي بعد التطور، والتراجع بعد النماء، والفقر الثقافي بعد الغنى الوافر.
وتبياناً لذلك يمكن القول حصراً: أن اشتباكنا غير الحميد مع الآخر الإنساني تعبير مكثف عن اشتباكنا غير الحميد مع ذواتنا التاريخية الثقافية، ولقد تجلت هذه الحالة في "التنافي العدمي" ابتداء من إصرار مفسري النصوص (المقدسة) في تجيير تلك النصوص على اجتهاداتهم الذاتية قليلة الحظ في الكمال والتكامل.. كما اتضحت في إقامتنا السلبية في العتبة التالية لعلوم التفسير والتي تلخَّصت في ضروب الكلام التأويلي المُتَّصل حصراً بالسلطان، وعوامل الصراع الدنيوي.. أضف إلى ذلك أن بعض علماء الكلام والتفسير ألبسوا الحق بالباطل، وقرنوا اجتهاداتهم برجم الآخر المُختلف، متمنطقين المقدس، واعتبار من يخالفهم الرأي مفارقاً للملة.. ليسفر جدل الكلام – بتحولاته- عن مجرد لغو بيزنطي، يتوسَّل الدين لأغراض دنيوية سافرة أفضت إلى عدمية في الرأي والرؤية، فيما شكلت الإطار المُتخشِّب لثقافة الموت والتنافي والبطش باسم الدين والسلطان.
 
# # أمام كل هذه الانكسارات التي شكلت معضلة العرب والمسلمين المزمنة.. أين العقل العربي الإسلامي(المفكر).. أو لماذا تلاشى دوره التنويري.. ؟ 
 
# المفكرون الإحيائيون الذين حاولوا استعادة الوهج الأول للماضي المجيد، سرعان ما وقعوا بين فكي الدين السياسي، والسلطان الدنيوي القاهر، والأمثلة في هذا الباب كثيرة نذكر منهم مثالا لا حصرا الشيخ "علي عبد الرزاق" في كتابه بعنوان (الإسلام وأصول الحكم) الذي حدد فيه المعالم الجوهرية لمفهوم الحاكمية في الإسلام، و"طه حسين" في كتابه الكانتي البرهاني بعنوان  (الشعر الجاهلي ) الذي أجرى فيه مقابلة بين فرضية النصوص الأصلية والمنحولة، و"عبد الحميد جودت السحار" في مجموعة "دفاتر التاريخ الإسلامي" التي نالت ردود أفعال مكبوتة من قبل الغلاة، ولقد جرَت ذات الحالة خارج مصر العربية.. وفي اليمن واجه المجتهد العلامة "الشوكاني" عنتا وعسفاً من قبل غلاة الكلاميين الجاروديين.
خلاصة القول: أن تلك الاستعادة التاريخية الوامضة لثقافة التدوين الدنيوي السياسي جوهراً.. الديني ظاهراً، كانت ومازالت تنوء بثقلها على ثقافتنا المعاصرة وينعكس هذا الأمر على جملة من القضايا المفاهيمية الجوهرية في أدبياتنا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر.. مفاهيم كالديمقراطية والليبرالية والعلمانية وهي مفاهيم لا تمثل  إشكالاً نظرياً فحسب، بل حقيقة وجودية لا مفر من الأخذ بها مفهوماً وتطبيقاً..
 
جاهلية التنافي
 
# # هذا الطرح يعيد سؤال الحاضر الأجد إلى الماضي العربي الجاهلي، فهل ما يجري اليوم على الساحة العربية هو إعادة "داحس والغبراء" لجاهلية التنافي ولكن بقوالب حديثة.. ؟
 
# ليس بهذا المعنى، فحسب ولكن بآلة أكثر قتلاً وتدميراً، والشاهد أن التطيُّر الوجداني ظاهرة في سماء الثقافة العربية التي مهّدَت لمسار تاريخي بذاته، ولقد كان بيان عرب ما قبل الاسلام ساطعاً في سماء الإبداع قليل الحظ في الحكمة، لأن أساس رؤياهم اقترنت بالعصبية الواضحة والتطرف الذي لا يقبل التراجع.. على نهج تفاخر عمرو ابن كلثوم التغلبي "من ربيعة":
         (وَنَشْرَبُ  إِنْ  وَرَدْنَا  المَاءَ صَفْواً       وَيَشْرَبُ غَيْرُنَا  كَدِرَاً  وَطِيـنَا
        إِذَا  بَلَغَ  الفِطَـامَ  لَنَا   صَبِيٌّ        تَخِرُّ  لَـهُ  الجَبَابِرُ  سَاجِدِينَـا)
ويقول آخر: 
         وَنَحْنُ أُنَاسٌ لا تَوَسُّطَ عِنْدَنَا    لَنَا الصّدرُ دُونَ العالَمينَ أو القَبرُ
ومن مفارقات الدهر أننا مازلنا إلى هذا اليوم نعيد إنتاج هذه الثقافة العدمية عندما لا نقبل بأنصاف الحلول، ولا نرى العالم إلا بعدسات عقولنا الضيقة، ولا نعتمد التنازل من أجل ما هو أكبر وأهم.. وما يجري اليوم على الساحة العربية من صراع واقتتال هو عبارة عن اتصال ثقافي "ماضوي _معاصر" يجسد صيرورة الإفناء، عبر التقاتل العدمي، ورفض الآخر، والصراعات التي لا تتوقف.. ولعل أبرز ما يمكن استعادته من محطات العرب المعاصرة كمثال.. رفض العرب قرار تقسيم فلسطين الأول، كما رفضوا كامب ديفيد الأولى لاحقاً، وها نحن الآن ننساق إلى ما هو أدنى بكثير !! أليس هذا يجسّد تفاخر الشاعر الجاهلي بأنهم لا يؤمنون بالوسطية فإما أن نكون عِلْيَة القوم وإما أن نذهب إلى القبر، أنها ذات المحنة التي ساقت جلادي شعوبهم إلى مزابل التاريخ وقبضة الأعداء!.. وفي هذا المقام نستعيد قصة امرؤ القيس مع صاحبه، فقد قال امرؤ القيس الذي استهان بخوف وجزع صديقه على درب الصحراء، وصولاً للاستنجاد بقيصر الرّوم:
        بَكى صَاحِبي لمّا رأى الدَّرْبَ دُونهِ   وأيقنَ أنا لاحقانِ بقيصرا
        فَقُلتُ لَهُ: لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنّمَا   نحاوِلُ مُلْكاً أوْ نُموتَ فَنُعْذَرَا
 تلك الأبيات التي أسلفنا ذكرها تمثل شاهدا حيا على النزعة البطولية المقرونة بالعصبية الواضحة، والبراغماتية السلوكية التواقة للملك والملذات، فالحكم ليس إلا غنيمة، وهو المدخل لمتعة الاستبداد التي تمارس السادية على الآخر الخصم، وهو الطريق إلى المال والمجد. ألا نؤكد يوماً عن آخر هذه الحقيقة بعد مرور عشرات القرون على رحيل امرؤ القيس ومن معه ؟! 
بفارق أن تلك النزعة البطولية العصبوية ترافقت مع شكل من أشكال الانتماء إلى الحرية، دلك التعبير المتناغم مع مدى الصحراء وآفاقها المفتوحة، مما لا يشكل حالة وحيدة وواحدة، بل يتواصل مع نظرات اخرى مداها الحكمة، وبإشراقات عقلانية كسرت عتمة العصبية، ولعل نصوص زهير ابن أبي سلمى خير تعبير عن نزعة الحكمة والبيان المقرون بالاستشراف الفلسفي تجاه الموت والوجود مما يتطلب استعادة بعضاً منها :
            سَئِمْـتُ تَكَالِيْفَ الحَيَاةِ وَمَنْ يَعِـشُ     ثَمَانِيـنَ حَـوْلاً لا أَبَا لَكَ يَسْـأَمِ
            رَأَيْتُ المَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ      تُمِتْهُ وَمَنْ تُخْطِىء يُعَمَّـرْ فَيَهْـرَمِ
            لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ      فَلَمْ يَبْـقَ إَلا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالـدَّمِ
            وَمَنْ لَمْ يُصَـانِعْ فِي أُمُورٍ كَثِيـرَةٍ       يُضَرَّسْ بِأَنْيَـابٍ وَيُوْطَأ بِمَنْسِـمِ
           وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِـهِ       يَكُـنْ حَمْـدُهُ ذَماً عَلَيْهِ وَيَنْـدَمِ
إن زهيراً قد أبان لنا بُعداً آخر في بيان العرب، وهو ذلك البعد المتعلق بالحكمة .. أليس هو الباحث عن مصالحة المتقاتلين.. الرافض لاستمرار حرب المتاهات والتعصب.. لكن هذه الحالة لم تكن وحيدة أيضا، فالترحل في معارج السلوك السوي والعطاء الوفير لكوكبة من علماء الإسلام الكبار يبين لنا ان البرهان كان حاضرا في تعليمهم ومنهجهم الحياتي، كـ"الكندي": أول الفلاسفة المسلمين... و"الفارابي" الموسوعي الذي تبّحر في علوم الأولين والآخرين... و"الغزالي" الذي قرأ الشريعة واستأنس بالفكر وأبحر في عوالم المنطق... و"الخوارزمي" الذي وضع علم الجبر بعد أن قرأ الرياضيات وعرف علوم المنطق والطبيعة، واستلهم صنوف التوازنات الحياتية الفيزيائية منها والكيميائية. والأمثلة في هذا الباب أكثر من أن تحصى، أو يتسع لها المقام..
 
الثقافة السياسية
 
# # السؤال الأهم في هذا الاتجاه.. ألم تُبْنى على هذه المرجعيات ثقافة سياسية خادمة لحياة العرب دولةً ومؤسسةً..؟
 
# استقراء واقع الحال في الفكر السياسي العربي، يقتضي استدعاء أبرز ملامح الماضي العربي في هذا الباب، ولا مفر هنا من الإقرار بأن العرب كانوا ومازالوا يتماهون سلباً مع ماضيهم التليد، فالتماهي السلبي مع الماضي يتلخَّص في استرجاعه وكأن شروط الماضي صالحة لكل زمان ومكان، وبالمقابل يتلخَّص التماهي الإيجابي مع الماضي في الإقرار التام بأن الماضي عبرة يستفاد من معانيها، وحقائق تعلمنا كيفية الإبحار في المستقبل، بدلاً من الإقامة في ظلال الماضي، بوصفه تجربة إنسانية عامرة بالاختلافات، والاجتهادات، والمقاربات، والحسنات، والسيئات أيضاً.
يتبلور الماضي في الثقافة السياسية العربية بصورة لا نظير لها في كل العالم، حيث من أبرز شواهده، حالة الاشتباك العسير مع التاريخ الخاص، فالعرب مازالوا مقيمين في سقيفتهم الأولى.. يوم أن تفارقوا وتنازعوا، ليستعيدوا أمجاد خلافاتهم القبائلية العشائرية على عهود بني عبد شمس وبني عبد مناف، وهو الأمر الذي ناء بكلكله على تاريخ الممارسة والفكر السياسي بعد ذلك إلى اليوم .
كما أن مركزية الانطلاق من القرآن الكريم باعتباره نصاً إلهياً مقدساً، انعكس دنيوياً على المباريات الإجتهادية التاريخية في التفسير.. ثم تواصل في تطاولاته المتمازجة مع أحوال الدنيا، من خلال علوم الكلام والرأي التي بدتْ تاريخياً كما لو أنها تعبير مقدس عن ما ليس مقدساً، وهكذا نشأة الفرق الكلامية كتعبير صاعق عن الخلافات السياسية ذات الصلة بالحاكمية والمُلك، وبدتْ المُخاتلة المفاهيمية سمة غالبة، فكل طرف من أطراف الاجتهادات الكلامية الحميدة، يتمترس بالمقدس ليعتبر الآخرين المغايرين له مجرد منحرفين ظالين مهرطقين.
 
# # وهل حالة استغلال الدين محصورة فقط عند العرب والمسلمين..؟
 
# لا.. لم تكن كذلك، بل شاعت في الأديان والثقافات الإنسانية المختلفة، وخاصة المسيحية التاريخية التي تنازعت دنيويا تحت ظلال المقدس، فجرت صراعات دموية مهولة بين الكاثوليك والبروتستنات والارثوذوكس، وشهدت اوروبا المسيحية وهي على مشارف البدايات الفكرية العلمانية.. شهدت حروبا ديينية استمرت ثلاثين عاما ، وعند مقدمات الحرب العالمية الاولى اطلت القومية الشوفينية بأشكالها الآرية والسلوفاكية واللاتينية والانجلوسكسونية، وكانت اليهودية الدينية خصما مشتركا لفرقاء المذهبية الدينية الأوروبية.
 تأثرت أوروبا التاريخية باجتهادات التفسير والكلام عند العرب، فيما تركها العرب لتقبع في ذاكرة التكرار العقيم، وهنا يستحق الموضوع بعض التوضيح انطلاقاً من المنجز العظيم للفكر العربي الإسلامي في الأندلس، وأمثل  له  بابن عربي الصوفي، وابن رشد المؤصل للعلاقة بين الشريعة والحقيقة، وعند لحظة إبن رشد نتوقف لكونه أثار جدلاً واسعاً في أوربا القرون الوسطى، فقد جاءت ترجمة أفكاره إثر وفاته في نهايات القرن الحادي عشر, فقد جاء ذلك الموعد بمثابة انبعاثة حقيقية للجدل الفكري داخل الكنيسة القروسطية التي وجدت نفسها بعد حين وقد اعتلت الرافعة المعنوية الأولى للتجديد الفكري.
تأوَّل الأوروبيون المقاربة الهامة لابن رشد بعنوان (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال) ووجدوا لديه ما يغاير ذلك البحث الكلامي الذي تفنن فيه ابن سيناء والفارابي، مُعتقدين بضرورة بل بأهمية ممازجة الفلسفة بالدين, وهو الأمر الذي تباعد عنه ابن رشد تاركاً مسافة بين الفلسفة "الحكمة" والدين "الشريعة".. بحسب المصطلحات التي سادت حينها وصفاً للفلسفة والدين.
قال ابن رشد بضرورة الفصل بين المستويين, فالدين أساسه الأصول، والفلسفة نابعة من مقدمات التأمل والتفكير العقلي، غير أن البحث عن المشتركات لا يتم من خلال ممازجة المستويين, بل بالاعتراف المسبق   بأولوية الإيمان على العقل, والإقرار بأن نقطة الالتقاء المحتملة بين الطرفين إنما تمثله المقاصد النبيلة، فالدين وحي من الله لهداية الناس, والفلسفة اجتهاد بشري قد يصيب وقد يخيب.
الإصلاحيون اللوثريون" نسبة إلى المصلح الألماني مارتن لوثر"لم يتلقفوا رسالة ابن رشد كما هي، بل انزاحوا بمعانيها صوب الفصل الإجرائي بين الدين والفلسفة.. استتباعاً لرفضهم المبدئي لتعاليم الكنيسة الكاثوليكية التي منعت الاجتهاد العقلي، وصادرت العلم، وجعلت الوسطاء بين الحق والخلق بمثابة آلهة أُخرى على الأرض..
 
# # عربياً وأوربياً.. أين التقت حالتا استغلال الدين، وأين افترقت..؟
 
# التقت الحالتان في نقطة التصادم مع الذات قبل التصادم مع الآخر.. فحالة الاشتباك مع الذات العربية الإسلامية ترافقت تاريخياً مع اشتباك موازٍ له مع الحالة الأوروبية المسيحية، فقد اكتست في بداياتها الأولى طابعاً تصادمياً عنوانه الخلافات الدينية، والادعاء المتبادل بالدين الحق هنا وهناك، لكن هذا الصدام انطوى أيضاً وضمناً على بُعد مادي حياتي مزاجه الـمُلْك، والتمَلُّك، والهيمنة، والسيطرة، فقد ثبت تاريخياً أن الحروب "المقدسة" في عناوينها البارزة كانت أبعد ما تكون عن تلك العناوين، وكانت ذات صلة جذرية بالـمُغَالبات الدنيوية البعيدة كل البعد عن ميتافيزيقا المِثال، فلقد حاربت تلك الجيوش المتصادمة تحت رايات الهلال والصليب، لكن الهلال والصليب كانا واجهات لمآرب أخرى، فيما كان الجند الميامين معتقدين برسوخ إيماني إنهم إنما ينفذون إرادة السماء.
أما التفارق الكبير بين العرب وأوروبا فقد ترافق مع اللحظة التاريخية الرشدية التي وضعت أوربا على درب الفصل الإجرائي بين الثنائيات المتصادمة، فيما ظل العرب في إقامتهم المديدة عند تخوم الصدامات القاتلة لتلك الثنائيات، فأصبح الاجتهاد ابتداع، والفلسفة هرطقة ومروق، والتصوف حلول وتجديف، والعقل مناهض للنقل، والبحث عن الحقيقة مناوأة للشريعة، وهكذا .. وبالمقابل انعتقت أوربا من هذه التصادمات من خلال التنوير الكنسي الأول على عهد "توما دي الأكويني"، والتأصيل اللوثيري الرشدي على عهد "مارتن لوثر الأول"، والعقد الاجتماعي على عهد "جان جاك روسو"، وصولاً إلى العواصف الفكرية الكاشفة عند "كانْت" و"نيتشه"، و"هيغل"، و"ماركس"..
 
الفكر السياسي العربي
 
# # تحديداً.. ما المطلوب اليوم من الفكر السياسي العربي المعاصر.. ؟
 
# الفكر السياسي العربي المعاصر مطالب اليوم بالإجابة على الأسئلة المركزية التي تشتبك مع بعضها في تشكيل هذا المشهد السياسي العربي المعقد والتي من أهمها سؤال الحاكمية وما يتفرع منه، من استفهامات تتصل بالبعد النظري للحاكميات، وواقع الممارسة السياسية، وكذلك الإجابة عن أسئلة المفاهيم اللصيقة بأنظمة الحكم، كأسئلة (الديمقراطية- الدولة- الدين- العلمانية المفاهيمية).. وفي حالة أجاب الفكر السياسي العربي على هذه الأسئلة المركزية فسيتغير واقع الحال الماثل في المجتمعات العربية، على الأقل في مساءل فصل الاشتباك النظري لأطر المشهد المعقد.
 
# # دعنا بداية في سؤال الحاكميات العربية ومدى قدرتها على استيعاب التعدد المتنافر.. ؟
 
 # في هذا السياق يمكن لنا رصد مستويين ظاهرين للحاكميات العربية، أولاهما مقرون بالحاكمياتِ السلطانية التاريخية، وتشمل الملكيات والإمارات والسلطنات، وهذا المستوى يتأسَّى بالحاكمياتِ التاريخية الموروثة، ويتجلَّى بتنوعه النسبي في كثير من البلدان العربية، ويخضع بهذا القدر أو ذاك لهذا التنوع المؤثر على تلك المرجعيات، وسنجد على سبيل المثال لا الحصر أن المملكة العربية السعودية تمثل الحالة الأكثر فولكلورية في الإقامة على المرجعية الملكية الأوتوقراطية المنتظمة في مركزية الإشراف المباشر للأسرة المالكة على الإدارة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. لكن هذه الحالة تتحول بعُسْرٍ شديد، خاصة إذا عرفنا أن مقدمات هذا الجدل التحولي العسير يمتد منذ عقود خلت، وأنه يتمايز في تأرجحه بين النمط السابق المألوف، ودعوات الإصلاح البنيوي المؤسسي، غير أن تلك الدعوات تصطدم غالباً بالتعليم الديني "الطُهراني" الذي تحول إلى عائق كبير أمام التحديث بمعناه الجذري الواسع.. بالمقابل سنرى تلك الإنزياحات المرنة الواضحة في المملكة المغربية.. التي وصلت إلى منطقتي الفعل الهيكلي الإصلاحي العصري، من خلال تعميم اللامركزية الإدارية والمالية والثقافية في عموم الأقاليم المغاربية، بالإضافة إلى النمط الدستوري المنفتح على بدايات فصل إجرائي بين الحاكمية الملكية التاريخية، والإدارة المؤسسية العصرية النابعة من القوانين المنظمة لمؤسسات الدولة المختلفة، ويمكن القول أيضاً وضمناً أن المملكة الاردنية الهاشمية تتلمَّس طريقها نحو مثال مشابه للمثال المغربي، لولا حساسية موقعها الجغرافي الموازي لخطوط النار الساخنة في الشرق الأوسط.
فيما المستوى الثاني يتعلق بكامل الجمهوريات العربية التي نشأت تاريخياً بفعل انقلابي مشهود على المرجعيات السلطانية السابقة عليها، وقد نشأت هذه الجمهوريات تحت شعارات ثورية صاخبة، وكان قادتها "الميامين" من العسكرتاريا الأكثر جهلاً وبُعداً عن مقتضيات الفعل المؤسسي المُركَّب والشامل، وقد ترافق مع نشوئها وتمددها قدر واضح من الديماغوجية السياسية، وحرق للمراحل الانتقالية التاريخية، وتسارع في تهشيم عناصر الماضي بشمول ايجابياتها وسلبياتها، والتبشير المُخاتل بمجتمع ألفيٍّ فاضل، والقفز على ما كان من موروثات سياسية حميدة، كالمثال البرلماني التعددي في مصر الملك فاروق، والمشروع  الدستوري الإصلاحي في المملكة المتوكلية اليمنية على عهد الإمام احمد، وصولاً إلى مشروع الدولة الاتحادية الدستورية في اليمن الجنوبي قبل رحيل الإنجليز.. ويمكننا ملاحظة واستقراء ذات الحال في الجزائر وليبيا وموريتانيا والسودان والصومال والعراق وسوريا وتونس ولبنان وكأنهم جميعاً خرجوا من رحم واحدة، ليُرينا التاريخ مبلغ الدهاء والمكر الساخر له.
 
# # هل نفهم أن الجمهوريات العربية خارج واقع الممارسة السياسية لمقتضيات مفاهيم النظم الجمهورية.. ؟ 
 
# بالتأكيد.. بل يمكن القول بثقةٍ أن جمهوريات العرب الماثلة لا علاقة لها بفقه الجمهورية السياسي التاريخي منذ أن بشر به وسطر أولى معالمه الفيلسوف الطبقي اليوناني "أفلاطون" وتبعاً لذلك نحن الآن أمام جمهوريات أوليغاركية لا تختلف من حيث الجوهر عن "جمهوريات الموز" في أمريكا اللاتينية السابقة، كما أننا امام "اتوقراطيات جمهورية"، لا تقف عند حد الهيمنة المركزية الفجة، بل تتوق إلى توريث الحكم كما لو أنها مرجعيات تاريخية لحاكميات غير تاريخية، وقد رأينا هذه الحالة البائسة في مصر حسني، وليبيا معمر، ويمن صالح، وسوريا الأسد، وكان يمكن لذات الحال أن يتكرر في عراق صدّام، وتونس بن علي، وغيرها من جمهوريات الوراثة العربية.
وهنا نصل إلى استنتاجين محوريين، يتعلق الأول بالحاكميات التاريخية المسيَّجة بناموس التاريخ، والمُطالَبة بإصلاحات هيكلية تجعلها بُنَى سلطانية دستورية.. هنالك حيث يتم الفصل الإجرائي بين الحاكمية التاريخية، والإدارة القادمة من ضرورات الحاضر والمستقبل، وما يتبع ذلك من تحرير ليبرالي للنماء الاقتصادي الأفقي، وتكامل الأنساق الاجتهادية في الفكر والثقافة والاجتماع، والتعايش المؤسس على جوهرية المواطنة العصرية، بوصفها معيار الهوية والمشاركة، وذلك هو السبيل الأوحد لتأكيد الانتماء، ونشر ثقافة المحبة والتسامح  ونبذ ثقافة الكراهية والتعصب.. فيما يتعلق بالبُعد الثاني، فيما يُسمى الأنظمة الجمهورية العربية فلا مفر من أن تستعاد إلى المعاني النابعة من فقه الجمهوريات، وهذا يستلزم إصلاحاً هيكلياً سياسياً يبدأ بمؤسسة الحكم، وهي مؤسسة جمهورية في ظاهرها.. اتوقراطية مُشوَّهة بالمعنى الدقيق للكلمة.. ولنا هنا أن نلاحظ التراجيديا الكبرى لهذه الحقيقة في بلدان التنافي العدمي الماثلة.. سوريا.. العراق.. ليبيا.. اليمن.. والحبل على الجرار، كما أن المقدمات الماثلة في بلدان أُخرى مثل الجزائر ومصر والسودان توصلنا إلى ذات النتائج المرعبة..
 
الديمقراطية.. المبنى والمعنى
 
# # بالعودة إلى الربيع العربي وما سجلته الجماهير من زخمٍ حمل شعارات تنشد الديمقراطية.. ما قراءتكم لهذه الشعارات.. من زاوية ثقافة السلطة والجماهير.. ؟
 
# إذا ما حاولنا الإجابة على هذا السؤال في الزمن السياسي العربي، سنجد أن الأصل يقبع في جوهر التيوقراطية الدينية والسياسية، والديكور قد يتغلَّف بأوراق سلوفان الديمقراطية، كما نلاحظ ذلك في بلدان التعدديات السياسية العربية ظاهراً.. المتجوهرة في الحاكم الفرد غالباً، وقد وسمت هذه الحقيقة الفاقعة النظام العربي طوال العقود الماضية، وعندما بادرت الجماهير.. باحثة عن مشروع خلاص، يجسد ديمقراطية المعنى والمبنى، وجدت نفسها في مأزق كبير، فالجماهير تخطَّت مشاريع المعارضات العربية التي أنهكتها الدكتاتوريات، بل وحولتها ضمناً إلى نسخة أكروباتية منها، كما أن النظام القديم لم يستسلم، بل أعاد إنتاج نفسه بكيفيات تراجيدية في طول وعرض بلدان الربيع العربي، وقد كان البديل الوحيد المؤهل لتعبئة الفراغ السياسي الناجم عن سقوط الأنظمة متمثلاً في تيار الإسلام السياسي المنبثق من تضاعيف الأركيولوجيا السياسية التاريخية العربية، والسلوك الثقافي الشمولي، مما ساهم في إسقاط الفرصة اليتيمة التي لاحت في مصر لصالح هذا التيار.
 
# #هل تلمسون كمراقبين مؤشرات لديمقراطيات عصرية تبزغ من هذه الأحداث..؟ وماذا يجب على الحاكميات العربية تجاه المأسسة الواقعية لهذا المشروع المدني..؟
 
# لا نستطيع أن نتحدث عن الديمقراطية بمفهومها العصري في العالم العربي، وإن كنتُ أُلاحظ انبثاقات إيجابية في المغرب، وحالة من الرغبة القلقة المتوترة في تونس، ومخاضات عسيرة في مصر واليمن وسوريا والعراق وليبيا، وحالة من الترقب المتوثِّب في سلسلة البلدان الخليجية العربية، لكن هذه الحالة التوصيفية العامة تضعني مباشرة في قلب الاستحقاق المطلوب في المستويين الجمهوري والسلاطيني، فعلى الجمهوريات العربية أن "تتجَمْهر"، كما ارتضت ذلك منذ انقلابها على الحاكميات التاريخية وتسمَّت باسم الثورات، وبالمقابل على الملكيات القيام بإصلاحات مؤلمة على درب المؤسسة الدستورية القادرة على تحقيق نمط ديمقراطي دولتي لا يتصادم مع المرجعية السلطانية التاريخية، والنماذج كثيرة في العالم، والدرب سالك للأخذ بما يتناسب مع واقع الحال في المجتمعات العربية، فليس مطلوباً من أنظمة العرب اليوم أن تقوم بنقل ميكانيكي لتجارب الآخرين ذات الطابع الخاص والمخصوص، بل التأسِّي بجوهر المعنى والمبنى، خاصة إذا علمنا أن الحالة العربية الراهنة تستحق ذلك.
 
# # باتجاه مفهوم الدولتية ومقتضياتها.. أين نجد بلدان الربيع العربي بعد خمسة أعوام من الربيع.. ؟ 
 
# المسألة هنا لا تتصل بالدولتية ومقتضياتها على رقعة بلدان الربيع، بل يذهب إلى تعقيدات معطيات المشهد السياسي الذي يعكس تشظي الأحلام في صورة هالة من الخيبات الصادمة، إذ أن الحالة العربية التي تلت ما سُمي بالربيع العربي، أفضت إلى جملة من الأسئلة الصعبة المقرونة باستحقاقات وإكراهات أصعب، وتتمحور هذه الأسئلة ذات الأبعاد المجتمعية الراديكالية في كيفية احتضان الدولة العربية المنشودة للتنوُّع الموضوعي القائم في العالم العربي.
 ينطرح هذا الأمر في جُملة بلدان الربيع العربي ولا يستثني بالطبع من هم خارجها؛ وعلى هامش هذه الفكرة الجوهرية تصبح الدولة القائمة الموصوفة بالدولة البسيطة، غير قادرة على استيعاب المكونات المجتمعية المتعددة، بالمعاني الثقافية والإثنية والدينية، وبالتالي.. ينفسح الدرب أمام فرية عظيمة، مختصرها المُحاصصة الطائفية أو الدينية وفق النموذج اللبناني الخائب الذي رهن المواطنة ووحدة المؤسسة لتقاسم أبعد ما يكون عن المصلحة العليا للبلاد، وكما يأتي الخيار الموازي الذي لا يقل خيبة عن نموذج المحاصصة اللبناني من خلال الإصرار على تكريس المركزيات الماثلة التي تُعبِّر بدقة عن معنى الدولة البسيطة، غير القادرة على مواكبة استحقاقات العصر بكافة المعاني والتقديرات، والشاهد أن هذا الدولة المركزية البسيطة كانت وما زالت السبب فيما آلت إليه الأمور في أربع أرجاء العالم العربي، بالمقابل يدافع البعض عن تكريس نمط مقابل كالصيغتين اللبنانية والعراقية، مما يؤكد أن هاذين المستويين لا يقلان سوءاً عن بعضهما، ذلك أن المحاصصة الطائفية الإثنية تعني إفقاد التنوع قيمته وجوهره، وهي بهذا المعنى تؤدي إلى تشظية المُتَّحد الطبيعي، لتعيدها إلى عناصرها الأولية بعد أن يتم إخصاء معانيها الكبيرة وجوهرية وجودها في أساس التكامل لا التنافي، حينها يتم استبدال حضورها الطبيعي بوصفها روافد لنهر عظيم، لتتحول تلك الروافد إلى مسارات مائية آسنة، لا تصب في مجرى النهر الكبير، بل تتوه في مفازات البراري والقفار، لنجد أنفسنا في نهاية المطاف أمام حالة كالتي نراها اليوم في الصومال.. حيث تعددت المناطق الانفصالية المُعلنة لتصل إلى أكثر من عشرة أقاليم في بلد يتم تفريغه منهجياً من سكانه، حتى أصبحت تلك المسافات مترامية الأطراف قفراً لا يسكنها أحد، فيما يتساكن في المدن الرئيسة أقل من (10%) من مجموع الصوماليين.
 
الدولة البسيطة والمركزية
 
# # في حال نجحت التشظية في الحالة الصومالية هل تجر نفسها على المنطقة العربية.. ؟
 
# بكل تأكيد.. الحالة الصومالية تجربة تستحق الدراسة المتمعنة، والمقدمة الموضوعية لهذه الدراسة تكمن في كونها سيناريو واقعي شاخص لحقيقة موضوعية خادشة، ويمكننا الإنطلاق في هذه الرؤية من التوصيف القائم للدولة العربية الممتدة من الماء إلى الماء، والقول بأنها مازالت دولة بسيطة مفارقة لوظيفة الدولة العصرية، ولا نستثني في هذا الباب سوى دولة الإمارات العربية المتحدة، وإلى حدٍ ما المملكة المغربية .. كما نستثني الدول ذات العمقين الجغرافي والديموغرافي المحدود، كما هو الحال في الكويت والأردن وقطر والبحرين .
هذا التعميم ينطلق من أن الدول العربية ذات العمق الجغرافي والديموغرافية مازالت مقيمة في زمن الدولة المركزية البسيطة، وترفض بثبات الانتقال إلى الدولة العصرية اللا مركزية المُركَّبة، وتحديداً النمط الفدرالي الاتحادي .. وهو نمط لا يستورد بقالبه العام من مكان آخر، بل يتم صياغته بناء على معطيات التاريخ الخاص والجغرافيا التنموية الاقتصادية، وإكراهات الماراتون العالمي في المشاركة والحضور.
كما أن من المجدي كثيراً الوقوف على المعنى الإصطلاحي لمفهوم الدولة الاتحادية التي تتسمّى في الآداب العالمية بالفدرالية، حتى يتسنّى لنا معرفة أهمية مثل هذه الدولة في ظل تحديات العصر، فالدولة الاتحادية وإن بدت قائمة على فلسفة واحدة، إلا أنها ليست واحدة في تفاصيلها، فالاتحاد الأميركي ليس كالاتحاد الروسي، والاتحاد الايطالي ليس كالسويسري. غير أن الجامع المشترك الأعلى في الدول الاتحادية يتمثّل في كونها دول متعددة القابليات في أنساق الاقتصاد والعطاء والنماء، وتتّسق مع معطيات العصر وتعقيداته، وتفسح المجال للنمو الأُفقي الشامل، وتجعل المواطنة رمز للهوية المقرونة بالمشاركة الحقيقية، وتخل بالمرابية التاريخية الموروثة من الأنظمة الإقطاعية وشبه الإقطاعية، وتجعل الذمة المالية والإدارية مقرونة بالوظيفة العامة المحكومة بالنظام والقانون، وتُساعد على انتشار الشفافية والمنافسة بين الأقاليم المكونة لتلك الدولة.
 
النموذج الاتحادي
 
# # على ذكر الدولة الاتحادية تعد الإمارات العربية المتحدة هي النموذج الاتحادي الأوحد في المنطقة العربية.. كيف تنظرون إلى هذا الشكل الحاكمي، وممكنات نجاحه..؟؟ 
 
# دولة الإمارات العربية المتحدة تفرَّدت في المنظومتين الكبيرتين لعرب الملكيات والجمهوريات، بكونها الدولة الاتحادية الوحيدة في العالم العربي، وبهذا المعنى نجحت الإمارات في توسيع ملعب النماء الاقتصادي الأفقي منذ عقود من زهو التطور المشهود، كما قدمت مثلاً فريداً في تمتين الُّلحمة الوطنية المؤسَّسة على قاعدة التنوُّع الحميد، المقرون بالصيغة الاتحادية، وبهذا المعنى مهَّدت تجربة الإمارات لدرب الوعي الاجتماعي الجديد، المترافق مع الوجود الاجتماعي المادي الذي جعل من الطبقة الوسطى الكبيرة رافعة للتوازن والنمو والتعايش.
السر الأكبر في نجاح التجربة الإماراتية تنموياً وسياسياً ينبع من الكيمياء السحرية للدولة الاتحادية القادرة على تعظيم الأفضليات الأفقية في الإدارة والتسيير والتنمية، وبما يجعل الذمة المالية والإدارية، وقرارات التنمية، سمةً أفقية يتشارك فيها ويتحمل مسؤوليتها كل المنخرطين في تلك المشاركة الواسعة، وتثبت هذه التجربة أن المقدمة الحاسمة للإصلاحات السياسية تأتي من الإصلاح المالي والإداري، وحلحلة الاشتباكات غير الحميدة بين المراكز"المقدسة"، والأقاليم المهمشة.
 
# # لكن كثرٌ من أرباب السياسة النظرية والفكر الاقتصادي.. يعزون نجاح الإمارات سياسياً وتنموياً إلى ثراء مواردها النفطية والغازية.. ؟
 
# الحقيقة ليست كما يعتقد البعض، فالرؤية من زاوية الموارد فقط، قاصرة عن رصد عوامل نجاح استغلال الموارد من الناحية الإدارية والمؤسسية والتشريعات النافذة.. فالإمارات ليست أغنى نفطياً من عديد من الدول العربية المقيمة في الاحتقانات والبؤس الحياتي، لكنها غنية بنظام الدولة الاتحادية المتسق مع مقتضيات العصر والتطور.. وانطلاقاً من هذه الحقائق الجلية للناظر، يؤكد واقع الحال أن العرب اليوم بحاجة عاجلة وفورية إلى الانتقال نحو صيغة اتحادية تجمع ولا تفرق، وتسمح باعتلاء منصة العطاء والعمل والمبادرة والمشاركة، مُنطلقة من الخصوصيات التاريخية والجغرافية.. إذ لم يعد في الوقت متسع للُّجاج والجدل البيزنطي الفارغ، فالصيغة الاتحادية اللامركزية الناجزة هي التميمة السحرية للخروج من نفق الأزمة، بل إنها منصة انطلاق  للإصلاح الهيكلي الجذري لنظام الدولة البسيطة " القروسطية " التي أرهقت البلاد والعباد.  
و هنا يمكن الإشارة إلى محنة المركزية التي اقترنت دوماً بالخطاب الديماغوجي  والتبرير، والتمرير، وتقديس العواصم، بوصفها مقرات الأمر والنهي، وما استتبع ذلك من متوالية تهميش طالت الأقاليم المختلفة للدولة، ودمَّرت الطبقة الوسطى، وخلقت مراتبيات غير معلنة في المواطنة والمشاركة، ووصلت في خواتم نهاياتها البائسة إلى تخليق البيئة المثالية للتطرف بكامل أشكاله؛ والوصف الدقيق الذي ينطبق على تلك المجتمعات العربية يتلخَّص في ثنائية البؤس الناجم من الفئات المسحوقة بالفقر والرثاثة من جهة.. مقابل حفنة المتردين في أوحال الفجور المالي الذي يزداد كآبة بقدر تزايد دوائر الانزياح نحو الرثاثة الحياتية والثقافية والاجتماعية.. في هذه البيئة بالذات نمت طحالب التطرف والبحث عن مخارج وملاذات، وكان النظام العربي هو الصانع الأول لهذه الحقيقة المرعبة.. 
 
# # برأيكم ما المخرج من هذه الحالة السائدة عربياً.. ؟!
 
# الحل والمخرج يتلخص في الانتقال إلى أنظمة دستورية اتحادية تفتح الباب واسعاً للتنمية الأفقية، وتجعل المواطنة القانونية والمشاركة الجبْرية أصلاً أصيلاً في التعايش والتساكن والتشارك  في الماء والكلأ، كما كان الأسلاف يقولونها ببساطة واضحة.. كما يكمن في الدولة العصرية القابلة بالإدارة المرنة، متعددة الآفاق وقابليات التطوير، بدلاً من الإدارة البيروقراطية المتجهمة التي استنفدت أسباب بقائها، وأصبحت تُثقل على عاتق الحكام  والحكومة والشعب.. يكمن المخرج في الفصل الإجرائي بين سلطات التشريع والقضاء والتنفيذ، بما يؤدي إلى الحكومة الرشيدة، والانسياب الناعم لعناصر الإنتاج وإعادة الإنتاج المادي والروحي.. وأخيراً وليس آخر حلحلة الاشتباك العسير بيننا والعالم الحي.. ذلك أننا نغرد خارج السرب السوي للبشرية الراشدة والرشيدة، ونحن المعنيون أولاً وثانياً وثالثاً، بحل  مشاكلنا العويصة..
 
حلم الوحدة العربية
 
# # حلم مشروع الوحدة العربية كأبرز قواسم العصر المشتركة قوميا وجغرافيا وعقائدياً.. لم يعد له ذلك الوهج الجماهيري.. برأيكم لماذا تلاشت بوارقه، وتقزّمت الغاية الوحدوية حتى في الخطاب السياسي العربي..؟ وماذا نحتاج اليوم كشعوب..؟ 
 
# هذا المشروع  سيعود ذات يوم قريب، وإن خبا وتلاشى مؤقتا، فالضرورات الماثلة تؤكد أن الدول العربية بحاجة إلى انتقال سريع نحو مفهوم الأمة الذي يوحد هذا الكيان ضمن تعددية نسقيَّة لا تخل بما هو كائن، ولا تتنازل عن ضرورات التحدي وسط أعاصير التشظي التي يشهدها كل بلد عربي، والاستضعاف الشامل للأمة العربية.. يواجه العرب اليوم ذات السؤال المحرج، فعليهم تحديد شكل الدولة الضامنة للوحدة الوطنية في كل بلد على حدة، دونما إغفال للمطالب المجتمعية الرائية لبناء تلك الدولة على أسس عصرية اتحادية لا مركزية؛ تُحافظ على الوحدة الوطنية من جهة، فيما تمنع التشظِّي والانقسامات الخطيرة، التي لن تنحسر إلا بقوة العدل والمساواة في الحق والواجب.. إصلاح الدول الإقليمية العربية هي العتبة الكبرى للتضامن الواقعي الفعلي بين تلك الدول ، فالعرب لا تجمعهم اللغة والدين بأنساقه الإسلامية والمسيحية فحسب، بل أيضا عبقرية الكيان الجغرافي، وطبيعة التحديات الشاخصة في زمن الوحشية المعلومة بالقوة والمال.
نحن اليوم –كشعوب- بحاجة ماسة إلى تحقيق العدل الذي سيبقي على التضامن الوطني في بلدان العرب، فالناس أسوياء إن لم يحاصروا في حياتهم وأرزاقهم، وهم عكس ذلك أن وجدوا أنفسهم مُحاصرين بالفقر والعنف النفسي والمصادرة الروحية.. كما نحتاج إلى الدولة الحاضنة لتنوُّع الأنساق.. والقادرة على دفع استحقاقات المستقبل.. المقيمة في معنى التاريخ والجغرافيا، وهي الدولة العربية الواعدة بتحقيق الانسجام بين التعدد والوحدة في بلدان العرب التي ما زالت تئن تحت وطأت المركزيات الفجَّة، والمتاهات التجريبية التي حوّلت البلاد والعباد إلى طُعْم سهل للمشاريع المريبة الخطيرة.
 
# # كيف لنا الوصول إلى هذا الاستحقاق.. في ظل تشظي داخلي يشهده كل بلد عربي.. ؟
 
# هذا الاستحقاق الجبري ليس كبيساً فحسب، بل هو ضروري بقدر موضوعيته وانسجامه مع حكمة التاريخ.. إنه الخيار المتاح للخروج من شرنقة التآكل، والإبحار بعيداً في زمن جديد يتَّسع لأحلام الجماهير العربية التواقة للانعتاق والانطلاق.. الخيار الآخر يتمثَّل في بقاء الحال على ما هو عليه، وهو أمر يستحيل قياساً بنواميس التاريخ والكون. أمّا الوجه الثاني لهذا الخيار فيكمن في الذهاب إلى التمزق والتشظي بحجة رفض المركزية، لكن هذه الحجة أشبه ما تكون بكلمة حق يُراد بها باطل، والحق كل الحق أن يتم التحول إلى استيعاب التعدد في كافة مستوياته، دونما تخلٍ عن وحدة الأوطان، لأن هذا التخلِّي سيشكل مقدمة لذات المحنة الشاخصة أمامنا، في العراق والصومال ولبنان...
 
الدين والأصولية
 
# # ما تشهده الدول العربية اليوم من صراعات سلطوية فتحت الباب أمام التطرف والأصولية التي أساءت للدين الإسلامي.. برأيكم إلى أي مدى ساهم الصراع السلطوي في إذكاء التطرف واستغلال الدين..  ؟ 
 
# سؤال الدين يستحق منا وقفة خاصة ومطولة.. لأنه يحتل مكانة مركزية في الحقائق الوجودية في العالم العربي.. لكن يجب الإشارة إلى أن أُصولية النظام لا تختلف عن أُصولية المعارضين له من حيث الجوهر، والأُصولية بهذا المعنى ليست ديناً، ولا هي تنويع على الدين بالمعنى العميق لمفهوم الدين، فالمعروف أن الأديان جاءت لخير البشرية وأن الأنبياء والرُّسل تاقوا إلى تحقيق العدالة والمساواة.. لكن الأديان سرعان ما تتحول إلى وسيلة يتأسَّى بها المخاتلون المارقون، ليحيلوا الصفاء الأول إلى تشريعات دنيوية ما أنزل الله بها من سلطان، وتشترك أنظمة القمع والظلام والظلم في تعميم الأُصولية السلوكية والفكرية، بالمعنى الدقيق للكلمة، فبوسع هذه الأنظمة، حتى في ذروة علمانياتها المعلنة، أن تستدعي المِثال الديني لخدمة المآرب الخاصة، والمقدّس لخدمة المدنّس.. ذلك ما فعله النظام العربي في تعميمه الأُصولي المجافي لقشور الدين، وتلك هي الأداة التي تحولت إلى حجة عليه من قبل الذين تشربوا هذا المفاهيم، وتمرغوا في أوحال الأوهام الطُّهرانية الغائمة في التجريد..
 
# # إشارة إلى العلمانية.. يرى البعض في هذا المفهوم نهجاً حاكمياً معاصراً صالحاً لأن يتماشى مع التعدد والتنوع الديني والسياسي والفكري.. بينما يرى رجال الدين في هذا المصطلح غير ذلك معتبرين العلمانية نداً للدين.. هلاّ وضحتم ما يدور حول هذا المفهوم... ؟  
 
# العلمانية مصطلح حديث قديم، كثر الجدل حوله وتباينت الآراء حول تعريفه فيما اختلطت الأيديولوجيا بالمعرفة المجردة وقوفاً على هذا المصطلح وتنويعاً عليه.. بعض الآراء تُجيِّر المصطلح على العِلْم وتتعمّد نُطق العِلمانية (بكسر العين) مُجيّرةً له على العلم.. وهذا الرأي ينطلق من أن هذا المصطلح قرين الفكر المادي الأوروبي، أو ما يسمى أحياناً بالمذهب الرياضي الجبري، أو بالرؤى البرهانية العقلية.. وبغض النظر عن المسميات فإن أنصار هذا التعميم يعتبرون العلمانية دليلاً على الاعتداد المطلق بالعقل الصرف، وتبعاً لذلك.. بمركزية الإنسان في الفكر والوجود، وهو ما يتعارض مع القوانين الإلهية السابقة على الإنسان والأكثر شمولاً من قدراته المحدودة.. هذا النوع من التعريفات يأخذ على العلمانية مثلبة الاقتصار في قراءة الشواهد والتجليات على الحالة الإنسانية، وحدود إدراكها، مما يجعل  العلمانية في مجابهة مؤكدة مع الدين.. من حيث أنها لا تعتبر الدين إلا طقساً فردياً يختص به صاحبه، ولا علاقة للأمر بالمجتمع أو العلم.. هكذا !!.
الرأي الآخر والأقرب إلى الحقيقة يُجير العَلمانية (بفتح العين) على العالم.. أي على تلك الرؤية الكونية التي ترى في التجليات والشواهد العلمية والثقافية تعبيراً عن تداخلات إنسانية وحضارية مؤكدة وسياقية.. هذه النظرة وجدت مقدماتها التاريخية عند المتصوفة المسلمين ممن اعتبروا الظواهر الكونية والاختلافات الدينية تعبيراً عن اصل واحد يتوق إلى التوحيد ولكن بطرائق متباينة وأساليب متعددة.. ولم تكن تلك النظرة الصوفية قاصرة على المسائل الماورائية، بل أيضاً على ظواهر الوجود التي تؤكد في نهاية المطاف الحقيقة الكلية للناموس الإلهي الساري في الكون والطبيعة والمجتمع.. ولم تأتِ تلك النظرة من فراغ، بل من الأصل الحنفي الابراهيمي لعقيدة التوحيد التي مثل الإسلام ذروة سنامها، وخلَّصها من شوائب الشركيات والاجتهادات الدنيوية الكثيرة.. لكن الإبحار الإسلامي الحصيف من التشبيه إلى التنزيه، ومن التجسيم إلى التجريد.. سرعان ما اتخذ مساراً عكسياً، لترتكس الرحلة هبوطاً.. من التنزيه إلى التشبيه، ومن التجريد إلى التجسيم، مما هو مشهود أيضاً وضمناً في العالم العربي،  وربما بطريقة اكثر فولكلورية من أي مكان آخر في عوالم المسلمين.
 
# # ماذا عن العلمانية كمشروع سياسي جامع للتنوع.. ؟! 
 
# العلمانية في هذا السياق تعني مشروعاً يتجاوز المحلي والإقليمي إلى العالمي والكوني.. لكن هذا المشروع قد يكون إرادوياً مركزياً، كما هو الحال مع نظريات المركزية الأوروبية، أو مع الأمْركة الكونية الراهنة.. ما يعني أن الفكرة بذاتها ليست هي المشكلة، بل من يقوم بتبنِّيها وتطبيقها.. فالحاصل أن الذين يتبنون الأفكار الإنسانية الطبيعية يحيلونها الى مشاريع سياسية، وينمِّطونها ذهنياً، ويقعِّرونها تنظيراً.. ما يصبغ عليها طابعاً مجافياً للأصل الذي قد نختلف حوله، ولكن دون أن نفقده معناه الأول.. فالعلمانية بالمعنى المفاهيمي في الآداب الأُوروبية كانت قرينة الحلم بمجتمع ألفي.. أو ما سمي حينها بـ((secularism، ومعناها المجتمع القرني الجديد.. المتناسب مع نهاية التاريخ القديم وبداية تاريخ جديد مزدهر.. كان هذا التنظير الأوروبي قائماً على فكرة الفصل بين الثنائيات كما أسلفنا في تضاعيف الحوار، وكانت تلك الفكرة مقيمة في أحضان البهجة القادمة لمجتمع جديد ومزدهر..
 
العلمانية والإسلام
 
# # هل ثمة تعارُض بين مفهوم العلمانية وجوهر الدين الإسلامي القائم على خطاب العقل واحترام الآخر، بوسطية منهج التعايش.. ؟
 
 # العلمانية مناجزة مفاهيمية وجودية لا تخلوا من تشبيكات سياسية أيديولوجية.. لكنها أيضاً لا تتعارض مع جوهر الدين الإسلامي في تجلياتها الثلاث (العِلمية، والعَالمية، والأحلام الزاهية بمجتمع جديد) كما يستوهم الواهمون.. هذه المشكلة لا تقتصر على مفهوم العلمانية فقط بل أيضاً على مفاهيم أُخرى كالعولمة والمركزيات الثقافية وما إلى ذلك من مفاهيم كانت وما زالت مُلتبسة عند البعض.
وخلاصة القول أن الوقوف على تاريخ أي مصطلح واستجلاء مقدماته، والنظر بهدوء ورويَّة في أبعاده المختلفة، والتمييز بين الموضوعي والذاتي في المصطلح.. من شأنه أن يوفر علينا الالتباسات والَّلغط وسوء التقدير.. وبالمقابل فإن النظر في أمر هذه المصطلحات وفق سياقاتها التاريخية وخصوصيتها المكانية مع التحديد الصارم للمعاني الذي تتقمصها في كل مرحلة من شأنه أيضاً أن يضعنا في صورة التعامل غير العدمي مع المصطلح والظاهرة معاً.
 
أخيراً
 
# في ختام هذا الحوار.. هل ثمة كلمة تقولها تجاه المستقبل..  ؟
 
# أنا من الحالمين بعهد عالمي جديد تنتفي فيه ثقافة الماضي البشري المترع بالويلات والخرائب، فقد بلغت البشرية المعاصرة ذروة القابليات للدمار الشامل، والانقراض المؤكد للنوع البشري إذ ما ظلت الأمور على سيرها الراهن، ومن المؤكد إننا اليوم في حالة مجابهة سافرة مع مشاريع شيطانية خطيرة، ومن المرعب إن نُخَباً سياسية فاعلة في القرار الدولي تؤمن بالنهايات الحتمية للعالم المعاصر، بل يقولون بأن هذه إرادة إلهية يتسقون معها وعليهم تنفيذها !! في مثل هذه الحالة يمكننا تصور الدور المناط بالنخب السياسية والثقافية، والتكشُّف على دورنا السلبي ومسؤوليتنا الخاصة تجاه ما يحيق بنا من تدهور.
عناوين فرعية:
 
المصدر : خاص - شبكة الأمة برس الإخبارية
 
 
التعليقات
لا يوجد تعليقات على هذا الموضوع
أضف تعليقك
العنوان: يجب كتابة عنوان التعليق
الإسم: يجب كتابة الإسم
نص التعليق:
يجب كتابة نص التعليق

كود التأكيد
verification image, type it in the box
يرجى كتابة كود التأكيد

 

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

الرئيسية  .   سياسة  .   اليمن والخليج  .   العرب اليوم  .   عرب أمريكا  .   العالم الإسلامي  .   العالم  .   اقتصاد  .   ثقافة  .   شاشة  .   عالم حواء  .   دين ودنيا  .   علوم وتكنولوجيا  .   سياحة  .   إتجاهات المعرفة  .   عالم السيارات  .   كتابات واتجاهات  .   منوعات  .   يو . أس . إيه  .   قوافي شعبية  .   شخصية العام  .   غزة المحاصرة  .   بيئة  .   العراق المحتل  .   ضد الفساد  .   المسلمون حول العالم  .   نقطة ساخنة  .   بروفايل  .   الرياضية  .   عرب أمريكا  .   الصحيفة  .  
من نحن؟ | مؤسسات وجمعيات خيرية | ضع إعلانك في الأمة برس | القدس عربية |
جميع الحقوق محفوظة © الأمة برس