إبحث:
عناوين أخرى


كيف ترى اليمن بعد العدوان والحرب الداخلية





 
ثقافة
قراءة في «نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق»: شيء من الحنين وكثير من السياسة والألم
2014-09-30 06:42:42



الأمة برس -

 علي الصكر

 
(يا بلاداً حبها تيّمني) يُخبرنا التاريخ والسوسيولوجيا أن يهود البلدان العربية، بل يهود العالم أجمعين، يشتركون في العديد من السمات التي طبعت معيشتهم ولعل أبرز تلك السمات الدهاء والحنكة الإقتصادية التي مكنتهم من الهيمنة على عالم التجارة والصيرفة والحرف في بلدانهم قبل أن يبدأ سفر نزوحهم الكبير الى (أرض الميعاد) منتصف القرن الماضي. نزعم هنا أن يهود العراق- تحديداً- قد فاقوا نظرائهم من يهود البلاد العربية بدرجة، بل بعدة درجات واضحة، في الإسهام الفاعل في مجتمعاتهم والتعايش السلمي مع الطوائف الأخرى. في الرواية (البوليسية) الشهيرة رأفت الهجان التي كتبها صالح مرسي يسجل العميل المصري إنطباعته الأولية عن المجتمع الإسرائيلي الناشئ حديثاً (خمسينيات القرن الماضي) فيلاحظ أن اليهود النازحين من البلاد العربية يعانون شظف العيش و العزلة في إقامتهم الجديدة ويمتهن البعض منهم البغاء بينما يعيش اليهود الأفارقة من التسول أما الفئة الأكثر ثراءً على الإطلاق فهم يهود العراق. ولعل ذلك يفسر الكثير من النوستالجيا والوشيجة المتينة التي ربطت يهود العراق بالوطن الأم طوال سنين.
 
لكن روابط التاريخ بين العراق واليهود أعمق من ذلك بكثير كما يحاول أن يثبت بجّد بليغ الكتاب الذي بين أيدينا. في المقدمة، يقول يوسف رزق الله غنيمة عن كتابه ( نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق) أنه «الأول في بابه والفرد في جنسه ويبقى مرجعا للذين يعالجون هذا الموضوع بعدنا». ورغم أن أنه يمدح نفسه إلا أن الرجل لا يذمها قط . فكتابه صدر عام 1924 (أعادت دار الوراق في بغداد طبعه أربع مرات آخرها في 2010) فهو حقاً عمل رائد في دراسة موضوع شائك معقد ومثير مثل تاريخ اليهود في العراق وهو حقاً مرجع فرد في جنسه لأنه ليس عمل هاوٍ أو متحمس يسعى لشد القارىء بعناوين مثيرة كما يفعل الصحافيون بل إنه عملّ منهجي ضخم يتبع بحرفية عالية قواعد البحث العلمي الرصين ويستعين بـ « أسفار التوراة والمباحث التي دونها العلماء الكتابيون في أوربا، بالإضافة الى دائرة معارف التوراة (بالإنكليزية) ودائرة المعارف البريطانية وترجمة قصيدة كلكامش البابلية « كما يلاحظ رئيس الهيئة الإدارية ليهود العراق مير بصري في ملحق الكتاب (1996) ومن المصادر العربية يستعين الباحث بتاريخ الطبري ومعجم البلدان والكامل لإبن الأثير
 
وأغاني أبي الفرج الأصفهاني والمستطرف والحيوان وصبح الأعشى و……. وكل ذلك بإشارات مرجعية دقيقة حسب مبادئ البحث الأكاديمي لا تغفل الإشارة حتى الى رقم الصفحة. لذا سأجازف بالزعم أن هذا العمل الموسوعي الرائد يضاهي الى حدٍ كبير موسوعة د. عبد الوهاب المسيري الشهيرة، وفريقه من الباحثين (اليهود واليهودية الصهيونية) الصادر في القاهرة عام 1999 التي جهدت في رصد جذور الفكرة الصهيونية في تاريخ الشعب اليهودي بمنظار آيديولوجي تمليه طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي المحتدم. لكن يوسف غنيمة (1885 – 1950 مسيحي كلداني عراقي درس في مدرسة الإليانس اليهودية ببغداد ودرس الفرنسية والإنكليزية وشيئا من العبرية وألمّ بالسريانية ودرس العربية على اللغوي المعروف أنستاس ماري الكرملي وتقلّد عدة حقائب وزارية في العهد الملكي) نشر كتابه عام 1924 أي قبل ربع قرن من قيام العصابات الصهيونية بطرد الفلسطينيين وإعلان دولتها على أنقاض منازلهم. لم تكن مشاعر العداء بين الشعبين قد إستعرت بعد، تلك الأيام كان يهود العراق «يشعرون أن البلاد وطنهم وأن الحكومة العربية العراقية هي الحكومة التي يجب عليهم معاضدتها ويتوقون أن يروها عزيزة الجانب ثابتة الأركان» بلادٌ يقول عنها الشاعر اليهودي العراقي أنور شاؤول:
يا بلاداً حبها تيمني لكِ في قلبي غرامّ أبدي
 
وأيام كان العراق «يفتخر بوحدته الوطنية … ولا شيء في عرف الوطنية اسمه مسلم ومسيحي وإسرائيلي، بل هناك شيء يقال له العراق» والمتكلم هنا الأمير فيصل (الذي سيصبح الملك فيصل الأول لاحقا) القادم من الحجاز ليتبوأ عرش العراق في حفل إستقبال أقامته له (الطائفة) في تموز/ يوليو 1924». وإني أطلب من أبناء وطني أن لا يكونوا إلا عراقيين، لأننا نرجع الى أرومة واحدة هي دوحة جدنا سام». وأيام قال الشاعر الحكيم جميل صدقي الزهاوي؛ 
عاش النصارى واليهود ببقعة والمسلمون جميعهم إخوانا
فيقول الشاعر معروف معروف الرصافي ذو الوعي الليبرالي المبكر: 
 
ولسنا كما قال الألى يتهموننا نعادي بني إسرائيل في السر والجهر
لبلاد ما بين النهرين (أرض شنعار في التوراة) أهمية قصوى في الإسرائيليات فإذا كانت «بلاد كنعان لليهود أرض ميعادهم وقبلة آمالهم ومحط رحالهم بعد تيههم، فالعراق وطن أجدادهم ومنشأ آبائهم ومهد لغتهم وأرض سبيهم ومآبهم» ولأن يوسف غنيمة من المهتمين باللاهوت فإنه يبدأ كتابه بفصلٍ عنوانه (التوراة والعراق) يسجل فيه (الحوادث الخطيرة الوارد ذكرها في كتاب اليهود المقدس جرت في بلاد بابل وآشور وبين النهرين) مثل جنة عدن وأنهارها التي يرى الكثير من الباحثين أنها كانت في بابل والطوفان وجبل أراراط الواردة في سفر التكوين وكذلك في الرقم البابلية ومملكة نمر ود ومدينة أرك (أوروك- الوركاء حالياً شمال غرب مدينة الناصرية) ونينوى (الموصل) وآشور (الشرقاط) التي كانت موجودة قبل بناء نينوى وقصة بناء بابل وبرجها (الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين) وأور في السفر نفسه: «ومات هارن قبل أبيه تارح في أرض ميلاده في أور الكلدانيين» وتارح هو أبو إبراهيم الخليل (إبرام) وساراي زوجته سارة الذين سيخرجون جميعا «من أور الكلدانيين الى أرض كنعان» كما يرد سبي اليهود في سفر الملوك الثاني: «وسبى ملك آشور إسرائيل
 
الى آشور ووضعهم في حلع وخابور نهر جوزان وفي مدن ماذي» ويحدد غنيمة هذه المواقع على خارطة العراق الحديث والجوار بدقةٍ متناهية قبل أن يستقصي تاريخ يهود العراق في عهد الماذيين والفرس ثم يفرد فصلا عن اللغة العبرية وآدابها في بابل. فالآداب التي أنتجها العبريون في سهول دجلة والفرات كانت من أبدع ما كتبه الشعب الصغير وإن «أعظم تأليف في آداب اللغة العبرية في عهد الجلاء بل في آداب أي لغة كانت تلك القصيدة الغراء التي بدأت في الفصل الأربعين من سفر أشعيا حتى نهاية الفصل الخامس والخمسين ومطلعها: عزوا عزوا شعبي يقول إلهكم». وأضحت بابل حاضرة ثانية لمأثورات اليهود ولغتهم «وعظم شأن قطر بابل وزادت خطورته في تاريخهم القومي بعد إن خرب الرومان أورشليم» ليذهب أخيرا مع القائلين «بأن اللغة العبرية الأورشليمية الفصحى حفظت في بابل أكثر مما حفظت في بلادها». وبنفس المنهج الرصين يدلف غنيمة الى تاريخ يهود العراق في عهد العرب ثم في عهد المغول والتتار فحكم الأتراك وصولا الى عهد الإحتلال البريطاني والحكومة العربية.
 
لم يخلُ، بالطبع، تاريخ اليهود في العراق من الأضطهاد والأحداث الدامية «التي يشيب لها رأس الرضيع» لكن الباحث، في سعيه وراء المسار العام للتاريخ، لا يقف عند الحوادث المفردة ولا يخوض في تفاصيلها وعموماً فإن ما تعرض له يهود العراق من العنف لا يضاهي بل يقلّ كثيراً عن ما تعرض له يهود البلدان العربية الأخرى. في منتصف القرن التاسع عشر، مثلا، يكتب الرحالة اليهودي بنيامين الثاني عن يهود العراق: «في بغداد 3000 بيت يهودي ويساعد عملهم وصناعتهم وترفهم على إمتداد التجارة والنشاط العام وإزدهار هذا
 
القطر «وفضّلَ حالهم على سائر يهود المشرق وقال إنهم يعيشون في رخاء. ويقول عن يهود الموصل: «في هذا البلد 450 بيتاً ولا يحق لهم الشكوى من حالهم فإن كثيراً منهم يتعاطون تجارة واسعة وأن كنيسهم فسيح». أما (الحدث الجلل) في تاريخ يهود العراق مطلع القرن العشرين فهو تعيين (معالي ساسون أفندي حاخام حسقيل) وزيرا للمالية في أول حكومة عراقية تتشكل عام 1920. ليستمر في منصبه عدة سنوات ولينعم عليه ملك بريطانيا بلقب السر . وساسون حسقيل رجل سياسة وإقتصاد محنك يحظى بقبولٍ حسن لدى العراقيين ليومنا هذا وعند وفاته عام 1932 سيرثيه الشاعر معروف الرصافي بقصيدة رائعة يصفه فيها بـ (شيخ البرلمان) ويختمها بهذا البيت: 
لئن كان، يا سأسون، غيبك الردى لذكراك بالعلياء لا تتغيبُ 
 
لا ينسى الباحث غنيمة أن يذكر أهم المزارات الدينية اليهودية في العراق ويوثق تاريخ نشوئها وموقعها الحالي وهي مواقع معروفة لدى العراقيين اليوم مثل قبرعزرا الكاتب (العزير في محافظة ميسان) ومدفن النبي حزقيال (الكفل قرب الكوفة حالياً) وقبر يوشع كوهين في جانب الكرخ من بغداد قرب مدفن المتصوف الشيخ معروف الكرخي وبجوار قبر الست زبيدة ومرقد إسحاق القاووني وهو أقدم كنيس لليهود في رصافة بغداد.
ملحق الكتاب الذي يضيفه عام 1996 الأديب مير بصري (آخر رؤساء الطائفة في العراق 1911- 2005) يكمل من حيث إنتهى الباحث غنيمة ليشكل إضافة غنية جداً للعمل التاريخي. مير بصري يكّن إحتراماً كبيرا لغنيمة ويكمل العمل بنفس منهجه ورغم أنه ينبري لتناول فترة غاية في الخطورة في تاريخ يهود العراق الحديث: 1924 فصاعداً إلا أنه يحافظ على قدرٍ كبير من موضوعية سلفه ومنهجه في تناول أحداث التاريخ. ويستعرض بإيجاز مفيد أهم إسهامات اليهود في نهضة العراق الحديث. في الصحافة والأدب والإقتصاد
 
والبرلمان والخدمة المدنية، مطابعهم وصحفهم ومدارسهم وينقل بصري بأمانة ما كتبه أحد كبار الموظفين في الادارة البريطانية في العراق من أن وجهاء وتجار يهود العراق (وجمعوا) حين (بـشّرهم) بصدور وعد بلفور الشهير بإقامة وطنهم الموعود قائلين أن «فلسطين مركز روحي لنا …. لكن وطننا هذه البلاد التي عشنا في ربوعها آلاف السنين». ويذكر أيضاً أن المتعاطفين مع «المبدأالصهيوني لم يكد يبلغ 1٪ من يهود العراق» وعند حديثه عن (المجزرة الرهيبة) التي تعرض لها اليهود في بغداد وخارجها عام 1941 (الفرهود كما
 
يسميه البغداديون) يقّر أن الكثير من المسلمين «وقفوا وقفة شريفة في حماية مجاوريهم من اليهود» وأن الزعيم عبد الكريم قاسم رفع كل القيود والموانع عنهم وألغى قانون إسقاط الجنسية الذي سيعيد العمل به خصمه عبد السلام عارف بعد إنقلاب 1963. وأن المرجع الشيعي الأعلى (آنذاك) السيد محسن الحكيم أصدر فتوى بلزوم حسن معاملة اليهود ورفع الظلم عنهم ومثله يفعل مفتي بغداد نجم الدين الواعظ. وأن الحكومات المتعاقبة «مهما آذت المواطنين اليهود وغمرت حقوقهم فإنها إحترمت شعائرهم الدينية ولم تمس معابدهم». 
غادر اليهود العراق شيئا فشيئا، يختم مير بصري ملحقه «ولم يبق منهم الآن (عام 1996) سوى 80 شخصا معظمهم من الشيوخ والعجائز» لتكون تلك نهاية طائفة كبيرة عاملة «سكنت ربوع الرافدين 2500 سنة، وشاركت الأهلين سراءهم وضراءهم …. فلكل أمرٍ نهاية».
 
كاتب عراقي
 
المصدر : خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
 
 
التعليقات
لا يوجد تعليقات على هذا الموضوع
أضف تعليقك
العنوان: يجب كتابة عنوان التعليق
الإسم: يجب كتابة الإسم
نص التعليق:
يجب كتابة نص التعليق

كود التأكيد
verification image, type it in the box
يرجى كتابة كود التأكيد

 

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

الرئيسية  .   سياسة  .   اليمن والخليج  .   العرب اليوم  .   عرب أمريكا  .   العالم الإسلامي  .   العالم  .   اقتصاد  .   ثقافة  .   شاشة  .   عالم حواء  .   دين ودنيا  .   علوم وتكنولوجيا  .   سياحة  .   إتجاهات المعرفة  .   عالم السيارات  .   كتابات واتجاهات  .   منوعات  .   يو . أس . إيه  .   قوافي شعبية  .   شخصية العام  .   غزة المحاصرة  .   بيئة  .   العراق المحتل  .   ضد الفساد  .   المسلمون حول العالم  .   نقطة ساخنة  .   بروفايل  .   الرياضية  .   عرب أمريكا  .   الصحيفة  .  
من نحن؟ | مؤسسات وجمعيات خيرية | ضع إعلانك في الأمة برس | القدس عربية |
جميع الحقوق محفوظة © الأمة برس