إبحث:
عناوين أخرى


كيف ترى اليمن بعد العدوان والحرب الداخلية





 
شاشة
فيلم بارع لأنجلينا جولي المعادية للحرب والباحثة عن إنسانية الإنسان
صامد فيلم أنجلينا جولي الجديد عن أسير أميركي عند اليابانيين
2015-02-07 07:21:10



الأمة برس -

 أمير العمري

 
تشعر السينما الأميركية بحنين خاص لأمجادها القديمة، بل إلى الأمجاد الأميركية في الحرب، والتغني مجددا بالبطولات. يتضح هذا من عدد من الأفلام التي لا تركز فقط على بشاعة الحرب وقسوتها فقط، بل على قدرة “الفرد” الأميركي على الصمود أمام أهوالها.
من بين هذه الأفلام الفيلم الجديد “صامد” وهو الفيلم الروائي الثاني للممثلة التي تحولت للإخراج، أنجلينا جولي، والذي أعد له السيناريو الأخوان جويل وإيثان كوين، مع اثنين من كبار كتاب السيناريو في هوليوود، ويعتمد على كتاب من تأليف لاورا هيلينبراند، التي قضت سنوات في البحث، أجرت خلالها عشرات المقابلات مع الشخصية الحقيقية التي تدور من حولها أحداث الفيلم، أي شخصية “لويس” زامبريني، بطل سباقات الجري الأميركي، الذي أصبح طيارا حربيا خلال الحرب العالمية الثانية، وسقطت طائرته في المحيط الهادي ووقع أسيرا في أيدي اليابانيين حيث قضّى عامين في الأسر تعرض خلالها للتعذيب الذي يصل إلى درجة التنكيل الجسدي البشع.
 
يبدأ الفيلم بداية قوية، تجعلك في قلب الموضوع مباشرة، وسط معارك الطائرات الضارية، فبطلنا يقود مع فريق من زملائه إحدى قاذفات القنابل، التي تلقي بقنابلها فوق اليابان، ونحن نشاهد هذه المعارك بالتفصيل ومن داخل الطائرة، وكأننا نخوض المعركة بالفعل مع طاقم الطائرة بكل تفاصيلها ومن كل زواياها، فالمخرجة تنجح مع مدير التصوير الإنكليزي روجر ديكنز، ومصممي المناظر (3 مصممين مع طاقم من المساعدين مكون من 36 فردا) في إعادة تجسيد كل دقائق الطائرة من الداخل، والوسائل التي كانت مستخدمة في القتال.
 
يعتمد البناء السينمائي في الجزء الأول من الفيلم، على أسلوب العودة إلى الماضي في “فلاشات”، أو استرجاعات سريعة لهذا الماضي، كلما واجه بطلنا موقفا صعبا أثناء مغامرة الطيران والقصف والتعرض للنيران اليابانية، فنعود إلى “لوي” الطفل المشاغب الذي يسبب المتاعب لوالديه المهاجرين الإيطاليين، ولكن شقيقه الأكبر يكتشف فيه القدرة على الجري، فيدفعه إلى ممارسة هذه الرياضة التي يبرع فيها كثيرا إلى أن يصل- كما سنرى- إلى تمثيل بلاده في أولمبياد برلين الشهير عام 1936، الذي نرى مشاهد مصاغة سينمائيا له هنا، ونعرف كيف حقق المتسابق الأميركي الأسود جيسي أونز، الذي حصل على 4 ميداليات ذهبية في برلين، متفوقا على كل متسابقي الجنس الآري الذين راهن عليهم هتلر، لكننا لا نشاهد خلال الفيلم لا جيسي ولا هتلر، بل ولا تبدو مشاهد تجسيد الألعاب الأولمبية في ملعب برلين المعروف، مقنعة، بل تبدو الجماهير في المدرجات مجرد أشكال كرتونية جامدة فهي نتاج لتكنولوجيا الكومبيوتر.
 
الاحتمال والألم
 
لويس أو “لوي” لا يحقق نصرا كبيرا، فهو يأتي في ترتيب الثامن للمتسابقين في سباق الـ5 آلاف متر، لكنه يحقق بعد ذلك شهرة عالمية كبيرة في سباقات أخرى قبل أن يلتحق بسلاح الطيران الأميركي، لكي يخدم بلاده في الحرب. ويستند الفيلم بشكل أساسي على مقولتين تترددان في بدايته، إذ يقول شقيق لوي وهو يدفعه لعدم الاستسلام ومواصلة الجري وتحقيق الفوز “إذا استطعت التحمل يمكنك الفوز”.
 
والمقولة الثانية تتمثل في النصيحة التي يقولها له والده وهو يودعه قبيل سفره “إن لحظة من الألم تساوي حياة من المجد”، فصاحبنا سيتعرض لأقسى تجربة في حياته وهو يواجه الموت أولا في عرض البحر بعد أن تسقط طائرته في المحيط، ويُقتل جرّاء ذلك جميع أفراد الطاقم باستثناء اثنين فقط، سرعان ما يفقد أحدهما حياته بفعل الجفاف والجوع، ويناضل الاثنان ضد أسماك القرش المتوحشة، وضد قصف الطائرات اليابانية، ويعانيان في قارب بدائي من الجوع والهزال التدريجي ويتناولان لحم طائر القطرس النيء، ثم الأسماك النيئة، وتستمر تلك المحنة 47 يوما، لكن لوي يصمد ويتحمل إلى أن يقع صحية زميله في قبضة اليابانيين، وينقلان الى معسكر اعتقال في طوكيو، حيث يتعرض لوي بوجه خاص، لأبشع عمليات التنكيل والتعذيب الجسدي المرعب على يدي قائد المعسكر “واتانابا” (يطلقون عليه الطائر).. على نحو يذكّرك كثيرا بأفلام أخرى مشهورة بتجسيد التناقض بين الشخصيتين الأميركية واليابانية مثل “جسر على نهر كواي” لديفيد لين، وخصوصا “كريسماس سعيد يا سيد
 
لورنس” لناجيزا أوشيما، لكن علاقة لوي بالقائد الياباني، “الطائر”، لا ترقى إلى مستوى العلاقة بين قائد المعسكر “يونوي” والضابط الإنكليزي “جاك سيليير” في “عيد ملاد سعيد يا سيد لورنس”، تلك العلاقة السادية التي تشي بميل حسي واضح، أي اشتهاء يونوي لعدوه الإنكليزي، وفي الوقت نفسه مقاومة هذا الإحساس بالانجذاب إليه بالإفراط في ممارسة العنف السادي ضده. إننا نشاهد كيف يقسو “الطائر” على بطلنا بعد أن يعلم بشهرته وتميزه بين أقرانه، كما يستفزه صمته وثقته بنفسه، يراه شبيها به من جهة، لكنه يرفض أن يصبح الأميركي ندا له فهو “العدو” أي “الآخر” الأضعف، فيمارس عليه أقسى درجات العنف الذي يصل حدّ إرغامه على حمل قضيب ضخم من الخشب فوق رأسه طيلة النهار تحت الشمس.
الفيلم يجسد تلك القدرة الخاصة على الصمود، على التحمل، على الخروج من لحظة الألم الطويل، إلى المجد، إلى البطولة، فيصبح لوي بطلا وطنيا كما كان بطلا أولمبيا.
 
لا شك في قوة الموضوع، وفي وصول الرسالة التي تنشغل بها أنجلينا جولي كثيرا (تبدت في فيلمها الأول عن الحرب في البوسنة) وهي كيف أن الحرب أمر بشع وأن قتال الرجال مع بعضهم البعض (يخلو الفيلم من العنصر النسائي باستثناء والدة لوي) لا معنى له في نهاية الأمر، وأن ما يبقى هو الفهم المشترك والتسامح والغفران، لكن تلك المعاني لا تتضح حقا سوى بعد أن ينتهي الفيلم، من خلال الكتابة التي تظهر على الشاشة تقول لنا إن لوي عاد بعد الحرب إلى اليابان، وصفح عن اليابانيين، ولكنه لم يلتق بمعذبه “الطائر”، الذي ظل هاربا لسنوات إلى أن حصل على العفو ضمن عفو أميركي عام عن عدد كبير من “مجرمي الحرب” في إطار المصالحة الشاملة مع اليابان.
 
يعيب الفيلم استغراق أنجلينا جولي بعاطفيتها ومشاعرها الخاصة المناهضة للحرب، في الاستطرادات الكثيرة والتكرار والحشو، وهي تتوقف في لقطات طويلة أمام المخاطر، وتجسيد مشاهد التعذيب في إيقاع بطيء حيث يبدو وكأن المشهد لا ينتهي، كما نرى مثلا عندما يرغم القائد الياباني الأسرى الأميركيين واحدا وراء الآخر، على توجيه لكمة قوية لوجه لوي بعد أن يرفض التعاون مع المخابرات اليابانية وإدانة بلاده علانية عبر الإذاعة الموجهة.
 
يعيب سيناريو الفيلم أنه لا يستفيد من فترة الأسر، إلا في تصوير العذاب الذي يلاقيه البطل، وقدرته الهائلة على التحمل، مع إهمال التفاصيل المحيطة والشخصيات الأخرى من الأسرى معه، كما يتجاهل إلى حد بعيد مأساة الحرب التي يعيشها اليابانيون أنفسهم على الجانب الآخر. إننا نرى في مشهد واحد فقط، كيف دمرت منازل اليابانيين القريبة من المعسكر من وجهة نظر لوي وزملائه لكن لا شيء عن هيروشيما أو نغازاكي، وكأن استسلام اليابان في النهاية جاء نتيجة التضحيات الفردية للجنود فقط.
 
الجوانب السينمائية
 
من الناحية السينمائية أيضا يشتغل الفيلم ببراعة في الجزء الأول منه على الانتقال من الحاضر إلى الماضي، في فلاشات تكشف وتحدد الملامح الأساسية للشخصية، لكن هذا الأسلوب يتوقف تماما بعد أن يصبح لوي وزميله في عرض البحر لما يقرب من نصف ساعة من زمن الفيلم، دون أي ارتداد ولو على مستوى الحلم، إلى الماضي، إلى الأسرة وإلى الوطن، بينما تكون التداعيات في الذهن أكثر توهجا عند لحظات الخطر. ومنذ أن يصبح لوي أسيرا في اليابان لا يرتد الفيلم أبدا إلى تداعيات الماضي، وبالتالي يصبح الأسلوب مفتقدا للوحدة، كما يفتقد الفيلم إلى العمق في مقاربة الشخصيتين اللتين تجسدان إرادتي أمتين في حالة صراع.
 
لكن الرسالة الأهم التي تشغل بال جولي هي تجسيد فكرة المقاومة السلبية، فالأسرى الأميركيون يتلقون كل أشكال الإهانة والعذاب والتنكيل دون أدنى محاولة للمقاومة، بل يعلي الفيلم من فكرة التسامح المسيحية عندما يركز أيضا على تعهد البطل للأهل بالصفح في حالة نجاته، كما أن تمكسه بالقيم الدينية هي التي ستدفعه في النهاية إلى الصفح عن أعدائه اليابانيين. ورغم أيّ ملاحظات سلبية، إلا أن الفيلم يتميز بالتنفيذ المثير للإعجاب في مشاهد كثيرة تحفل بكل التفاصيل الدقيقة للفترة، والتصوير المؤثر لتفاصيل الحياة الشاقة داخل معسكرات الاعتقال، وتنفيذ مشاهد معارك الطيران.
 
وعندما ينجح “لوي” في الصمود ثم رفع القضيب الخشبي الضخم وهو يصرخ نشوة بالنصر، وكأنه المسيح الذي يحمل صليبه بعد أن هزل جسده كثيرا، ينهار الضابط الياباني ويجثو على الأرض مع تصاعد الموسيقى إلى ذروتها، إشارة إلى الهزيمة التي سيعلن عنها في المشهد التالي مباشرة، عندما يقول القائد الياباني للأسرى إن “الحرب توقفت”، ويدعوهم للتوجه ناحية النهر، فيتجه كل الأسرى بملابسهم وأجسادهم الملطخة بالسواد من خلال تأثير العمل الشاق في استخراج الفحم، ويغطسون بأجسادهم في مياه النهر، ثم تحلق طائرة عملاقة فوق رؤوسهم.. فيتطلعون جميعا ليكتشفوا أنها طائرة أميركية فتعلو صيحاتهم ابتهاجا بالنصر والحرية، ويغرقون أجسادهم تماما في مياه النهر. ولعل ما يرقى بالفيلم كثيرا، ذلك الأداء المتميز من الممثل الإنكليزي جاك أوكونيل في دور “لويس زامبريني”.
 
إنه يحمل الفيلم بأكمله على كتفيه دون منازع، يبرع في الانتقال بين المراحل المختلفة في حياة البطل، من الكفاح للفوز في سباقات الجري، إلى القتال بالطائرات في الحرب، ثم يجسد ببراعة تلك التجربة الشاقة التي يخوضها في الأسر، والتي تنعكس جسمانيا عليه، فيعبّر من خلال النظرات في صدامه الصامت مع القائد الياباني، الذي يبرع في تجسيد دوره أيضا تاكاناسا إيشيهارا الذي يجسد تلك السادية التي تصل إلى أقصى درجاتها عنفا، والتي تختلط بإحساس داخلي باللذة، فهو ينتقل من الشدة إلى اللين، قبل أن يعود إلى التنكيل بضحيّته لإدراكه أنه يفهم ضعفه. لكن هذه العلاقة التي كان يمكن أن تصنع دراما من نوع خاص، فُقدت بكل أسف بعد أن فضّل كتاب السيناريو والمخرجة، الاعتناء بالبطولة عوضا عن تكثيف الضعف.
المصدر : خدمة شبكة الأمة برس الأخبارية
 
 
التعليقات
لا يوجد تعليقات على هذا الموضوع
أضف تعليقك
العنوان: يجب كتابة عنوان التعليق
الإسم: يجب كتابة الإسم
نص التعليق:
يجب كتابة نص التعليق

كود التأكيد
verification image, type it in the box
يرجى كتابة كود التأكيد

 

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

الرئيسية  .   سياسة  .   اليمن والخليج  .   العرب اليوم  .   عرب أمريكا  .   العالم الإسلامي  .   العالم  .   اقتصاد  .   ثقافة  .   شاشة  .   عالم حواء  .   دين ودنيا  .   علوم وتكنولوجيا  .   سياحة  .   إتجاهات المعرفة  .   عالم السيارات  .   كتابات واتجاهات  .   منوعات  .   يو . أس . إيه  .   قوافي شعبية  .   شخصية العام  .   غزة المحاصرة  .   بيئة  .   العراق المحتل  .   ضد الفساد  .   المسلمون حول العالم  .   نقطة ساخنة  .   بروفايل  .   الرياضية  .   عرب أمريكا  .   الصحيفة  .  
من نحن؟ | مؤسسات وجمعيات خيرية | ضع إعلانك في الأمة برس | القدس عربية |
جميع الحقوق محفوظة © الأمة برس